تتسع دائرة الحريق وتتمدد بسرعة قياسية في لبنان. بؤر التفجير تنبت وتتناسل، بوتيرة عالية. وكلها من العيار المدوّي. يزيد من خطورتها أنها تبدو مترابطة. ومنها ما اشتعل، لأول مرة، في مواقع كانت بمنأى عن الالتهابات الأخيرة.

أو كان من المفترض أنها حصينة وبعيدة عن المواجهات الدموية، الأمر الذي يؤشر إلى أن الساحة اللبنانية باتت مفتوحة بالكامل أمام جولات العنف من الشمال إلى أقصى الجنوب، مروراً بوسط البلاد. مع كل ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات ومضاعفات؛ تهدد، ليس بصيف ساخن فحسب؛ بل أيضاً بالمزيد من التدهور والتفكك للوضع اللبناني.

وما يضفي على الأحداث مثل هذه الأبعاد الخطيرة، أنها أعقبت وبشكل فوري، فشل وساطة اللجنة العربية برئاسة الأمين العام للجامعة العربية؛ وراحت فصولها تتوالى في منحى تصعيدي غير مسبوق. ثم إنها توالت ولا تزال، في ظل تعنيف أكثر من السابق، للخطاب السياسي المتداول، وبذلك بات كلاهما يصبّ الزيت على نار الآخر؛ بحيث صارت الأزمة أسيرة دوامة مخيفة باحتمالاتها.

النار التي كانت ولا تزال مشتعلة بين الجيش اللبناني و«فتح الإسلام» منذ أكثر من شهر في مخيم نهر البارد قرب مدينة طرابلس؛ عادت واحتدمت على أشد ما يكون؛ بعدما ساد الاعتقاد، قبل عدة أيام، بأنها شارفت على نهايتها، ثم فجأة امتدت النار إلى المدينة ودارت فيها مواجهات عنيفة؛ أدت إلى سقوط عشرة قتلى، وما إن خمدت حتى استهدفت القوات الدولية، والمرابطة عند الحدود الجنوبية بعملية تفجير انتحاري؛ أسفرت عن سقوط ستة من أفرادها.

تطور بالغ الخطورة بمدلولاته وبالرسالة التي انطوى عليها، يواكب ذلك ولأول مرة بمثل هذه العلنية والمجاهرة خطاب مليء بالمفردات التي كانت تتردد همساً؛ ومن باب التخوف، اليوم صار التلويح بها يحصل من باب التهديد المبطن. فيما مضى من عمر الأزمة.

كانت عبارة «حرب أهلية»، مرفقة دائماً بالتطمينات من أنها لن تتكرر، ولن يسمح لأحد بالعودة إليها، اليوم صار التذكير بها ولو مداورة أحد عناصر الخطاب المتداول؛ القائم على التراشق والتهديد بتحويل «لبنان إلى لبنانين» والحكومة إلى «حكومتين»؛ ناهيك عن الكلام حول المستقبل «المجهول» للبلد واحتمال انتقال نموذج غزة إليه؛ وغير ذلك من العناوين التي تصبّ المزيد من الزيت على نار التباعد والقطيعة، وبالتالي الاحتقان بين الأطراف اللبنانية؛ التي لا تسود بينها سوى حالة القطيعة التامة.

الغليان في لبنان، ترتفع درجة حرارة مياهه بسرعة صاروخية. عنف وتفجير وتأزيم سياسي مع انسداد في الأفق؛ مزيج يختزن قوة تدميرية. سيما وأنه يتفاعل في ظل تداخلات إقليمية ودولية؛ تبدو أنها عازمة على تحويل البلد إلى حلبة مصارعة فيما بينها. وإذا كان عبء اجتناب الوقوع كضحية لهذه المعادلة القاتلة؛ يقع أولاً على عاتق اللبنانيين؛ فإن الصحيح أيضاً ان نهوضهم وحدهم بهذه المهمة بات متعذراً؛ كما كشفت المحاولة التي قامت بها اللجنة العربية.

كرة النار اللبنانية تتدحرج بسرعة قبل أن تتحول إلى بركان، لا خيار أمام الإطفائية العربية إلا تكرار المحاولة. لبنان.. كما قال عمرو موسى «مسؤولية عربية».