بعد سنوات من الآمال العريضة واللغة المتفائلة والإنجازات المتتالية دخل المشروع الأوروبي نفقا مظلما وحلت لغة الإحباط والتحذيرات والمخاوف واتخذ المشروع كله مسارا جديدا سمته العامة «تصغير» الأحلام والبحث عن الممكنات، فغياب شيراك آخر الديجوليين الكبار والانتصار الكبير لليمين في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة بعد نجاح ميركل في ألمانيا أفقد المشروع قدرا كبيرا من الزخم الذي اتسم به خلال العقدين الماضيين. وقد نجحت «المصالح» في جمع الأوروبيين على إنجازات في شأن العملة الموحدة والوحدة الاقتصادية وتسهيل إجراءات التنقل داخل القارة. لكن الانتقال من المصالح للقناعات جعل القلق يحل محل الأمل.

قمة الإنقاذ

كان الدستور الأوروبي قمة التعبير عن النجاح في بناء تجمع أوروبي قادر على لعب دور كبير على الساحة الدولية وموازنة النفوذ الأميركي والتعبير بصوت واحد، لكن الدستور تعثر بشدة في استفتاءين متتاليين في العام 2005 صوت فيهما الناخبون الفرنسيون والهولنديون بـ «لا».

وجاءت قمة بروكسل التي بدأت اجتماعاتها قبل ساعات من كتابة هذا المقال، لتكون قمة إنقاذ وتوقع المحللون أن تتخللها «مفاوضات شاقة» بحسب تعبير رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ورئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو، بل توقعوا الاضطرار لتمديدها ليوم ثالث على أمل التوصل لتوافق أوروبي يبدو بعيدا بل بعيد جدا حتى بعد تقليل الطموحات وتصغير الأحلام وتخفيض «سقف التوقعات».

وتهدف المفاوضات إلى التوصل إلى تسوية توافق عليها بريطانيا وبولندا وهولندا وتشيكيا، وقبلها ودعت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل التي ترأس بلادها الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء فيه إلى «طرح كل هواجسهم على بساط البحث» وأضافت إن «من الضروري الحديث عما يجمع، لكن أيضاً عما يفرق».

المعترضون الأربعة

الأهم أن هذه القمة الأوروبية تجتاز هذه الصعوبات بعد نحو عامين من التفكير و«الطبخ» الهادئ بأمل الوصول إلى ولادة اتفاق حول معاهدة دستورية «مصغرة» قد تساعد على تحريك القاطرة الأوروبية لكن بوتيرة بطيئة. والملفت أن الرئاسة الألمانية بدل أن تقوم بدورها التقليدي كمحرك لمشروع البناء الأوروبي الكبير اكتفت بالسعي إلى تأمين حل وسط حول معاهدة بديلة عن مشروع الدستور الذي دفنه الاستفتاءان في هولندا وفرنسا وهي صيغة يراها أنصار الوحدة الأوروبية «أفضل من لا شيء» وإن كانت لا تضمن تعميق الاندماج الأوروبي خصوصاً على الصعيد السياسي!

وقد تمكنت ميركل، بمساعدة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، من التوصل مع 22 دولة إلى اتفاق على صياغة معاهدة أقصر وأكثر تواضعاً إلا أنها تتضمن التوجهات العريضة للدستور، مثل استحداث منصب وزير أوروبي للخارجية، ورئاسة ثابتة بدلاً من الدورية.

كما تتضمن زيادة القرارات التي تتخذ بالأغلبية وليس بالإجماع في مجال القضاء والشرطة وتبني «ميثاق حقوق أساسية» للمواطنين ملزما للجميع يشكل ضمانة للأساس الديمقراطي لأوروبا. ولكن ميركل حتى انعقاد القمة ما زالت تواجه صعوبات في إقناع أربع دول هي المملكة المتحدة وبولندا وهولندا والتشيك.

ورفض رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، ميثاقاً قانونياً ملزماً وقال إن بريطانيا متمسكة بسياسة خارجية ودفاعية وقضاء مستقل عن أوروبا وتلك «خطوط حمراء» لن تتخلى عنها. ومن جانبها ترفض بولندا مدعومة في ذلك من تشيكيا، طريقة حساب التصويت بالأغلبية النوعية المقرر أن يتضمنها الدستور والتي ترى أنها تضر بها أكثر من غيرها.

أما هولندا فتريد، مثل لندن، نصا قصيرا إلى أقصى حد لتفادي استفتاء وتطالب أيضا بأن يكون باستطاعة البرلمانات الوطنية وقف المشاريع التشريعية الأوروبية إذا رأت أن الاتحاد تجاوز صلاحياته.

الفيتو البولندي

الجديد أن بولندا تتحول بشكل متصاعد إلى قيد على التوجهات التي تمثلها الجبهة الفرنسية الألمانية وأعلنت قبل القمة أنها سوف تستخدم الفيتو ضد المشروع المعروض مطالبة بالحصول على وضع أقوى فيما يتصل بحقوق التصويت واستدعى الأمر مفاوضات بولندية ألمانية شاقة وأعلنت المستشارة الألمانية عن تشاؤمها وأصدرت الخارجية الألمانية تحذيرا لبولندا من أن الخسائر ستكون كبيرة لبولندا ولكل أعضاء الاتحاد، وحدث ولا حرج عن التحفظات البريطانية على عديد من الموضوعات في مشروع الدستور.

وتعرضت وارسو لضغوط غالبية الأعضاء على مدى أسابيع وهو ما اضطر الرئيس البولندي ليخ كاجينسكي قبل ساعات من بدء القمة، إلى وقف التهديد باستخدام حق النقض (فيتو) لأي مشروع معاهدة يحظى بإجماع حيث ترفض ألمانيا في شكل قاطع معاودة المفاوضات حول آليات التصويت ومعايير ثقل صوت كل من البلدان الأعضاء.

ومن المؤشرات المهمة على حالة التأزم التي يمر بها المشروع الأوروبي أن قادة أوروبا يريدون التوافق على مشروع الدستور والتصديق عليه دون أن يجعلوه موضوعا لاستفتاءات شعبية خوفا من رفضه وهو ما يغضب بعض أوساط المجتمع المدني في أوروبا، لكن الأهم أنه يعني أن المشروع بدأ يفقد قوته الدافعة في الشارع الأوروبي ويتجه لأن يتحول إلى مشروع نخبوي لا يستطيع مواجهة الاختبار عبر التصويت.

البحث عن اليسار

وفي تقديري المتواضع قد تكون أهم الدروس لنا كعرب فيما يحدث أن حقبة البحث عن حلفاء «يساريين» انطلاقا من أن أميركا «الشيطان الأكبر» أكبر قلاع اليمينية في العالم، وبالتالي بمنطق بسيط هو «عدو عدوي صديقي» يكون كل اليسار في العالم أعداء طبيعيين لهذا «الوحش الإمبريالي اليميني»، هذه الصفحة توشك أن تطوى

والباقي من نفوذ اليسار في العالم يكاد ينحصر في عدد من الحكام الشعبويين في أميركا اللاتينية.

وهؤلاء مهما علا صوتهم ليسوا مؤهلين لأن يغيروا موازين القوى الدولية بأي شكل ملموس، وبالتالي فإن ما يحدث في أوروبا يفترض أن يكون بداية الطريق نحو شفاء النخب السياسية العربية من أوهامها بخاصة وهم البحث عن يساريين ليكونوا حلفاء في مواجهة الولايات المتحدة.

وحتى كتابة هذا المقال كانت القمة لا تزال منعقدة والمناقشات ساخنة، ولكن الدروس والعبر والدلالات واضحة لمن يريد أن يرى العالم كما هو لا كما يتمنى، فحتى لو نجح الأوروبيون في الوصول لتوافق حول ما يصفونه هم أنفسهم بأنه «أفضل من لا شيء»، فسوف تظل قمة بروكسل هذه في الذاكرة الأوروبية قمة توديع الآمال الكبيرة.

كاتب مصري