صدق العرب عندما قالوا إن الحرب أولها الكلام. وقد بدأت هذه الحرب بالكلام ثم الرصاص الأخير في غزة، ثم عاد كلاما بلغ حدا لا يمكن أن يكون بين طرفين يرغبان إقامة حكومة وحدة وطنية، والتي كما نراها أنها لن تكون أبدا بعد ذلك الزلزال العنيف بالدم والقتل وفرار المدنيين من القطاع.

وطالما بلغت حد الشتائم وفقدان الثقة، بل ووصلت فيها الاتهامات إلى اخطر مراحلها، كالتكذيب والتخوين والتكفير وتهم الاغتيال، وجمل نقلتها الصحافة وعبارات تكتمت عنها، وهي التي يرددها البيت الفلسطيني في جلساته واجتماعاته المغلقة، ونعني هنا البيت الفلسطيني، البيت السياسي، كما يعني البيت الأبيض للأميركيين.

فهل بقى هناك بيت ابيض في السلطة الفلسطينية تديره حماس وفتح، أسسها كانت «الوحدة الوطنية» حيث قبلت أن تلتزم باتفاق قمة مكة، وقد تم عمدا اختيار مكة، حيث تأملت المملكة أن للمكان قدسيته لدى منظمة دينية متشددة، مثلما للشعب والوطن قدسيته. ولكن يبدو أن السياسة والمصالح والصراع أقوى من كل شيء، فهي كالزلازل المدمرة عندما تنتفض الأرض (تذكيرا بيوم الأرض) فكانت الكارثة كبيرة إلى درجة لم تحدث مثلها في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني خاصة على مستوى القتل والذبح والاستهتار والانفلات.

أمامنا لوحة فلسطينية جديدة، حكومة طوارئ، جغرافية سياسية جديدة على ارض الواقع «دي فاكتو» ومراسيم تعزز من قبضة حكومة الطوارئ لمحاصرة حماس من جهة ومحاصرة المجتمع المدني الفلسطيني برمته من جهة أخرى. وخطب وتصريحات متضاربة ومتضادة وحرب إعلامية وتحقيقات وإجراءات وإقالات ، وحيوية دولية ومؤتمر يوم الاثنين في شرم الشيخ والقدس في 26 يونيو للرباعية.

ودعم ملحوظ لحكومة الرئيس عباس من المجتمع الدولي وضغط وعزلة دولية لحماس ماعدا إيران، التي أوضحت بكل جلاء على لسان لاريجاني أنها تدعم حماس ماليا لأنها تدافع عن أراضيها، رافضا اتهام إيران بأنها تدعمها بالسلاح، متناسيا انه لا يستطيع بالأصل أن يمرر السلاح من معابر محاصرة في غزة ولكنه قادر بالبترو دولار شراء أسلحة، وكل ما له علاقة بتقوية الحركة على مستويات متعدد، فبدون الأموال ينفصم العمود الفقري لكل حركة سياسية وتختنق ببطء.

والأخطر في ذلك الزلزال جانبان إنساني وسياسي، ففي الجانب السياسي إصرار الخصمين على تكسير مجاديف بعضهما، ففي الوقت الذي نسمع فيه لهجة التصعيد من ابومازن، الذي يدير سلطة الطوارئ نسمع عناد حماس، التي تراهن على طواحين الهواء، وتنسى ماذا يعني الحصار القادم والعزل. بل وهناك خطوات إسرائيلية عملية لتفكيك الجغرافيا الفلسطينية لمحاصرة حماس أولا ولتسهيل مهماتها المستقبلية في الضفة الغربية، لهذا صرح اولمرت، وبنصائح أميركية، بأربع نقاط جوهرية لتلك الخطة الجهنمية، أهمها تزويد السلطة بأسلحة أميركية .

ويعني ذلك تعزيز السلطة امنيا وعسكريا، ثانيا دعم مالي من إسرائيل التي سترفع حظرها عن الأموال الفلسطينية المحجوزة والتي تقدر بأكثر من 600 مليون دولار. ثالثا الاهتمام بالجانب السياسي عن طريق رفع الملاحقة عن نشطاء فتح، بينما الإجراء الرابع مالي أيضا وينحصر في تشجيع وفتح أبواب الاستثمار العربي والأجنبي في الضفة.

وعبر فكرة الاستثمار الأجنبي في الضفة، فان الرأسمال العالمي الصديق والحليف، والذي من خلاله بالإمكان تغلغل المال الإسرائيلي والوكالات اليهودية العالمية إلى الضفة بكل هدوء، فتسقط تفاحة الضفة في الازدهار الاقتصادي من جانب، ومن الجانب الأخر تقع في فخ الهيمنة المطلقة، لكون السلطة مؤسسة هشة داخليا وخارجيا على المستوى المالي.

في هذا المناخ الداخلي للبيت المنقسم، ماذا سيتمخض عن الاجتماعين في شرم الشيخ والقدس، أكثر من تعميق الشرخ الفلسطيني جغرافيا، بحجة محاصرة الإرهاب والتشدد أو كما سماهم ابومازن دعاة «الانقلاب الأسود ضد الشرعية» و«القوة الخارجة على القانون»، مستبعدا إجراء أية محادثات مع الخونة في حركة حماس كما قالها في أول خطاب علني منذ أن حل حكومة هنية.

في ظل حكومة طوارئ لن تنفع الخطابات العاطفية من مثل «نحن شعب يعلو فوق الجراح ولن تهن عزيمته أمام المحن «ولا الإجراءات القائمة على تعليق الديمقراطية والوعود بعودة الانتخابات، إذ المهم قبلها كيف سيتم إقناع حماس بالتنازل عن مشروعها السياسي في غزة ومن ضمنها الخضوع والاملاءات القادمة؟

بما فيها تسليم سلاحها والانتهاء من العنف والمواجهة المسلحة مع السلطة والاحتلال؟ ما هي إمكانية السلطة ـ حتى بعد تزويدها بالسلاح الأميركي ـ في السيطرة على قطاع غزة وتطويع ولي ذراع حماس عسكريا؟ هل ستعتمد السلطة على حصار القطاع وتعريض مليون ونصف إنسان فلسطيني للخطر، والذين بالإمكان أن يصبحوا رهينة للصراع بين الطرفين، أم سيدك القطاع كما دك مخيم نهر البارد؟.

ويقع الشعب الفلسطيني في القطاع بين قوتين قوى الاحتلال الغاشمة وقوة السلطة الفلسطينية في القطاع والمزودة بالأسلحة الأميركية وبطواحين الهواء والآمال البعيدة، وباتفاقيات يعرف العالم أفكارها في اللسان والتصريحات الإعلامية، ولا يدرك مخططاتها على الورق الخفي.

إذا ما ركبت حماس رأسها، والتي أصبحت غير قادرة في السيطرة على القطاع، ففي الوقت الذي دعت إلى عدم إطلاق الصواريخ على إسرائيل، لكونها بدأت تستشعر الخطر القادم في ظل الاختلافات والعزلة، أرسلت حركة الجهاد صواريخها إلى إسرائيل.

وكأنها تدعوها مشكورة إلى الاندفاع بدباباتها نحو القطاع بغزو واسع وتدميري، خاصة وان إسرائيل ترغب في ظل أوضاعها الداخلية الهروب إلى الأمام لتؤكد لشعبها أنها دولة قوية قادرة على حماية حدودها، وأنها لا تفاوض حكومة عباس عن ضعف، فمن جهة تستخدم العصا والحصار في غزة، ومن جهة أخرى تقدم الجزرة في الضفة بالإجراءات الأخيرة.

في ظل هذا التجاذب السياسي والعنيف والمدمر داخل البيت الفلسطيني، هناك قضية باتت أكثر إلحاحا، وينبغي الالتفات إليها، وهي أهم من الصراع على السلطة وهي حياة الشعب المكبل بالألم والمحنة. ويستحق أن نلتفت إليهم، فهم في ظروف الحروب الأهلية ضحايا النزاع الدائم، أو كما وصفهم البعض نتائج لواقع بذرة بذور الحرب الأهلية الدائمة.

ما قاله جون غنج مدير علميات «الانروا» في قطاع غزة، يستحق منا أن نصفهم بأبطال يقاتلون من اجل الإنسانية، دون أن يحملوا أسلحة، فقد طالب السلطات الإسرائيلية بفتح المعابر داعيا المجتمع الدولي التكثيف من مساعداته، وعدم ترك الشعب الفلسطيني قائلا «إن الناس هنا لم يستسلموا لذلك.

ونحن لن نستسلم وسنقوم بواجبنا على أكمل وجه». فهل ستنفع أكياس الطحين وحدها في حماية الأرواح عندما يحدث الزلزال الفلسطيني في الأيام القادمة؟ وترفض حماس الضغوط، وتقرر أنها مستعدة لكل شيء حتى النهاية تحت شعار إما النصر أو الشهادة.

كاتب بحريني