سألني أحد الإخوة: لماذا لا تعود إلى كتاباتك السابقة كما كنت تفعل في استراحة البيان عندما كنت تكتب في مواضيع تريح أعصابنا، وتخفف عنا الضغط الذي يشد أعصابنا أكثر مما هي مشدودة؟ ويكفينا ما نشاهده يومياً عبر الفضائيات، ويكفينا متابعة الوضع العربي الذي يتدهور من سيئ إلى أسوأ، فالشعوب العربية ملت هذه الأوضاع التي لا يد لها فيها ولا تستطيع تغييرها ولم تعد تأمل في أنها سوف تتغير.

قلت له: إني مثلك ومثل أي مواطن عربي سلبت مشاعره وأحاسيسه الحالة التي وصل إليها العرب، ولا أستطيع أن أتحول من موضوع إلى آخر، والوضع الذي فرض علينا غصباً مستمر، ان لم نكن نعيشه مباشرة فنحن نتعايش معه عبر الفضائيات مع أن ما تنقله لنا من أخبار هو جزء يسير مما نسمعه مباشرة من بعض المسؤولين أو نقرؤه في وسائل الإعلام الأجنبية.

إن ما يجري في وطننا العربي حالياً لم يشهد مثله التاريخ في أي مكان أو أي زمان مضى، فالقتل والدمار والفقر والجوع والجهل والبطالة كلها اجتمعت في هذا الوطن مع أنه من أغنى الأوطان، حتى وصل بنا الحال إلى الاقتتال فيما بيننا، فإذا فرضنا أن ما يحصل في العراق من صناعة الاحتلال، فماذا عن فلسطين وما يجري من مؤامرات وقتال بين أهم كتلتين من مسؤوليتهما تحرير وطنهما والعمل على توفير حياة كريمة لأبنائه.

وكأن هذا غير كافٍ، فها هو لبنان بات على حافة حرب أهلية قد لا يعود من آثارها كما كان، والدور قادم على دول عربية أخرى، وبوادر الخلاف والانشقاق بدأ الإعداد لها ويعدون لذلك اليوم القريب.

لكن من السبب في كل هذا؟

هل هي الثروات العربية وأطماع الآخرين فيها؟

هل السبب الحكام وبعض المسؤولين المتواطئين خوفاً على كراسيهم؟

أم السبب الشعوب العربية واستسلامها؟؟.

لا شك أن هذه الأسباب مجتمعة تشترك بشكل أو بآخر فيما وصلنا إليه، ولعل الدافع الأكبر والسبب الأبرز هو الثروات العربية والتي تعتبرها الدول الكبرى حقاً مشروعاً لها وتتناوب المنافسة عليها فيما بينها. وها هي فرنسا بعد أن عارضت الحرب على العراق، وتوهمنا كعادتنا أنها خائفة على مصالحنا أدركت مؤخراً أنها ارتكبت غلطة كبرى فهرول رئيسها الجديد لمد يد الشراكة إلى أميركا. وقد يكون لبنان بداية لهذه الشراكة التي تتقاسم فيها الدول العظمى المصالح وتستمر من خلالها معاناة أبناء البلد الواحد.

وهذا يجوز لهم ما دامت الأراضي العربية لا مالك لها، ولا مدافع عنها، وما دامت الشعوب العربية لا حيلة لها ولا أمر بيدها، فبالاستسلام أو بالمؤامرات فُتحت لهم جميع الأبواب لكي يتحكموا كيفما شاؤوا.

إن آخر موقف جمع الدول العربية بعد تاريخ طويل في الانقسامات والاختلاف، كان الإعلان عن المبادرة العربية للسلام لحل أبرز واهم قضاياهم، ألا وهي القضية الفلسطينية، مع أن هذه المبادرة أُجهضت قبل أن ترى النور، ورغم ذلك تم في القمة العربية في الرياض التأكيد عليها حيث كان قد أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في قمة بيروت.

وكان الرد الفوري الأميركي بعد قمة الرياض سلبياً، أما إسرائيل فبتسلطها المعهود رفضت المبادرة وردت عليها بالاستمرار في عدوانها، لم لا؟؟ فقوّتُها ونفوذها لا حدود لهما، فهي محمية ومؤيدة من أكبر قوة في العالم، وعلاقاتها قائمة ومعترف بها من أكبر دولة عربية وهي مصر والتي تتعامل معها كأمر واقع، بل أحيانا كدولة صديقة، هكذا بكل بساطة!!.

فماذا كان يجب أن نتوقع رد إسرائيل على المبادرة؟؟ وهي تعلن بين فترة وأخرى سعي بعض الدول العربية لإقامة علاقات معها، لذا هي متأكدة أنها سوف تحصل على كل شيء دون أن تتنازل أو تدفع أي شيء.

ثم هل كان عند العرب البديل في حال رفض إسرائيل المبادرة؟ هل يعتبرون هذه المبادرة إنجازاً اجتهدوا وتعبوا على تحقيقه طوال سنين المعاناة من الصراع العربي الإسرائيلي؟.

هل كانوا يعتقدون أن أميركا سوف تقف إلى جانبهم وتدعم مبادرتهم؟؟ مع الأسف أميركا أجابت عنها دون تردد وقالت وجهة نظرها في الماضي والحاضر والمستقبل: إنكم يا عرب ضعفاء ولا تملكون أي شيء تقدمونه لإسرائيل لتقبل به، وأكدت رأيها على الواقع وهو ما نشاهده في محاولة لتقسيم فلسطين بفصل الضفة عن غزة، والآتي وما يتم التخطيط له أسوأ.

فإذا كنا انتظرنا طول هذه السنين، ولم تطلع لنا الدول العربية إلا بهذه المبادرة اليتيمة لحل النزاع العربي الإسرائيلي، فلربما تشهد الأجيال القادمة مبادرة جديدة قد تقتنع إسرائيل بها. أو يفرضونها عليها!!.

واختتم الموضوع برسالة وردتني عبر البريد الالكتروني وهي من فرنسي من أصل جزائري يقول: بعد الانتخابات الأخيرة في فرنسا تمنيت لو كانت الجزائر جزءاً من فرنسا فلربما أصبح الآن مسلم من أصل جزائري رئيس دولة لها رأي وإرادة وكلمة مسموعة ألا وهي جمهورية فرنسا.

ولربما أعاد إلينا الإحساس بالعزة والكرامة اللذين افتقدناهما منذ الفتوحات الإسلامية، لم لا؟ وسيدة من أصول مغاربية وصلت إلى كرسي الوزارة وليست أية وزارة إنما وزارة العدل في حكومة ساركوزي. واختتم رسالته قائلاً: لكن حتى لو حكمنا رئيس فرنسي مسيحي بالعدل والديمقراطية، لكنا أحسن حالاً مما نحن عليه!.

كاتب إماراتي