التاريخ المعاصر مكتوب بذهنية انتقائية متحيزة، هذا هو المغزى الذي أراد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توصيله إلى العالم، حينما خاطب خلال هذا الأسبوع جمعاً من الأكاديميين الروس في موسكو.

قال بوتين: إن صفحة الاتحاد السوفييتي السابق «أقل سواداً من الولايات المتحدة»، وكان الزعيم الروسي يشير بصورة محددة إلى المجازر والفظائع الدموية التي ارتكبت خلال عقد الثلاثينات من القرن الماضي في عهد الرئيس جوزيف ستالين باني الاتحاد السوفييتي.

ونعلم أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال تتخذ من هذه الفظائع محوراً رئيسياً لمسلسل حملتها الدعائية لتشويه صورة الاتحاد السوفييتي في الماضي والحاضر، وبينما لم ينكر بوتين تلك الوقائع كحقيقة تاريخية ثابتة إلا إنه أعلن بقوة أن القمع الذي مارسه ستالين أقل فظاعة من حرب فيتنام وتدمير هيروشيما.

أجل، هذا الوجه الآخر للمسألة الذي تريد الولايات المتحدة للعالم أن ينساه، فبينما لم يستخدم الاتحاد السوفييتي قط السلاح الكيماوي، فإن الجيش الأميركي الغازي في فيتنام لجأ قرب نهاية الحرب خلال عقد السبعينات إلى رش آلاف الكيلو مترات المربعة من الأراضي الفيتنامية بمادة كيماوية أطلق عليها «ايجنت اورانج» مما أدى إلى مقتل عشرات الألوف من الفيتناميين.

ومن بقي على قيد الحياة ظل سنوات ما تبقى من العمر يعاني ويلات السرطان وأمراضاً قاتلة أخرى. وأنجبت ألوف من النساء الحوامل مواليد مشوهين.وقبل ذلك ارتكب الأميركيون جريمة أشد فظاعة. فقد استخدمت القوات الأميركية قرب نهاية الحرب العالمية الثانية أسلحة نووية ضد السكان المدنيين في اليابان في كل من هيروشيما وناجازاكي.

وهناك وجه آخر للمقارنة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال عقود الصراع بين القوتين على مدى 45 عاماً عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. فبينما تعي ذاكرة العالم الاستراتيجية العدوانية الثابتة التي مارستها الإدارات الأميركية المتعاقبة على شعوب العالم الثالث، فإن العالم يذكر من الناحية الأخرى سجل الاتحاد السوفييتي في نصرة ثورات وحركات التحرر الوطني ودعمه لاستقلالية الدول الناشئة في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية.

لم يكن أي زعيم من زعماء العالم الثالث بحاجة لأن يعتنق الايديولوجية الماركسية لكي يحظى بدعم استراتيجي سوفييتي. كان المطلوب فقط أن يكون زعيماً ذا استقلالية وطنية غير منحازة. ولعل أفضل نموذج عرفته شعوب الأمة العربية في ذلك السياق هو الرئيس جمال عبد الناصر.

عسكرياً كان الجيش في مصر الناصرية يحظى بتسليح سوفييتي. وإذا كان بعض العرب يحلو لهم حتى اليوم الطعن في كفاءة السلاح السوفييتي لتبرير هزيمة يونيو 67 فإن الإنصاف يفرض عليهم أن يقروا بأن الانتصار المصري في حرب أكتوبر 73 تحقق بفضل سلاح سوفييتي. فحتى ذلك الحين كانت موسكو المصدر الأوحد للإمداد التسليحي للقوات المصرية.

وبالمقارنة كانت الولايات المتحدة منهمكة في ممارسة عداء متعدد الجوانب ضد مصر الناصرية في إطار استراتيجية للتعامل مع بلدان العالم الثالث بتدبير سلسلة من الانقلابات والاغتيالات وشتى صنوف الحرب الاستخباراتية والاقتصادية.

بوتين يريد الآن استعادة المجد السوفييتي، وبالتالي فإن التاريخ يتيح فرصة جديدة للعالم الثالث عموما وللعرب خصوصاً. فهل من زعامة صاعدة تسترشد بالنموذج الناصري؟