يعكس تأكيد الرئيس الأفغاني حامد قرضاي أول من أمس أن 52 مدنيا قتلوا في قصف جوي لقوات حلف شمال الأطلسي في جنوب أفغانستان، الأخطار الكبيرة التي ظل يتعرض لها المدنيون منذ عام 2001 من جانب طالبان والقاعدة من جهة، ومن القوات الدولية من الجهة الأخرى. ولا يكاد يمر شهر إلا وتقع حوادث مشابهة يروح ضحيتها أبرياء بحجة مطاردة الإرهابيين.
لقد بات جليا أن الاستراتيجية التي ظلت تتبعها أميركا وحلفاؤها في أفغانستان طيلة تلك السنوات لا تعمل بصورة فعالة وأنها تعاني من اختلالات جوهرية. ويعود سبب فشل تلك السياسات إلى أنها ظلت تركز بشكل رئيسي على الجانب العسكري البحت وأهملت جوانب إنسانية واجتماعية واقتصادية عديدة، تعتبر لازمة لكسب ثقة الشعب الأفغاني الذي ظل في حالة حروب مستمرة منذ سبعينات القرن الماضي.
لقد أجمع كافة المسؤولين المعنيين ببرامج إعادة الإعمار على أن التباطؤ في هذا الجانب سيعرقل أي جهود تبذل لمكافحة الإرهاب. وأن الأولوية يجب أن تعطى لإعادة تأهيل البنيات الأساسية، بدلا من التركيز المطلق على مطاردة عناصر طالبان والقاعدة.
إن مشاكل أفغانستان لا تقتصر على فقط على الجوانب الأمنية وإنما تشمل ملفات أخرى لا تقل خطورة مثل تجارة المخدرات والفساد المستفحل في أوساط المسؤولين. وعليه فإن الاعتماد على الحلول العسكرية بشكل مطلق لن يجلب الأمن لأفغانستان، ولن يساعد دول حلف الأطلسي مجتمعة على تحقيق الاستقرار وإعادة دمج البلاد مرة أخرى في المجتمع الدولي.
إن المطلوب من أميركا وحلفائها أن تدرك أن مجتمع أفغانستان هو مجتمع قبلي ومن ثم يجب أن تسعى لكسب جانب الرموز العشائرية. وبدلا من مهاجمة القرى ودكها بالطائرات فإن الأولى أن تسعى أميركا إلى فك الضائقة المعيشية التي تعصف بالمواطنين وتوفير العلاج والتعليم لهم، ومن دون ذلك فإنها ستكون كمن يحرث في البحر.
