أخيراً طلعت دول الاتحاد الأوروبي بتوافق حول الخطوط الرئيسية لمعاهدة، تحكم العلاقات فيما بينها. جاء ذلك نتيجة مفاوضات طويلة وشاقة. العقبات كانت كثيرة ومن العيار الثقيل؛ القادر على نسف المشروع. لكن الإصرار على إنقاذ الاتحاد وتعزيزه كان رافعة النجاح. كان الضمانة لاجتناب الفشل ومتابعة المسيرة. ومع هذا الانجاز تكون أوروبا قد أرست الصيغة الناظمة لإطارها الاتحادي وآلياته؛ والتي ستدخل حيّز التنفيذ، فور الانتهاء من سنّ المعاهدة؛ ومن إنجاز عملية التصديق عليها؛ من جانب الدول الأعضاء.
مرحلة مهمة من مراحل التأسيس، باتت على طريق الاكتمال. وبذلك تبدأ حقبة جديدة من عمر المولود القاري الجديد والوازن، الذي أراد له المؤسسون أن يحتل موقع القطب الدولي المهم. فهو يتمتع بالحجم والثقل والإمكانيات اللازمة: 27 دولة بأكثر من أربعمئة مليون نسمة واقتصاد مرشح ليفوق حجم الاقتصاد الأميركي فكرة الجمع بين هذه الكتلة البشرية الهائلة التي ولدت مع مطلع خمسينات القرن الماضي قطعت مسافة مهمة على طريق الترجمة والتحوّل إلى واقع ملموس.
بمثل هذه الفترة الوجيزة تمكنت أوروبا من إقامة سوقها المشتركة وبرلمانها الموحد فضلاً عن اعتماد عملتها الواحدة. كسرت حواجز الحدود واللغات المتعددة. تجاوزت ماضيها القريب، الحافل بالحروب الدموية بل التدميرية والمآسي. مصالحها وإقامة صمامات الأمان الكفيلة بعدم تكرار الغرق بنزاعاتها المكلفة؛ كانت البوصلة التي قادتها إلى بناء الاتحاد. لم تكن المسيرة سهلة. تعرضت لانتكاسات .
آخرها وأقساها، كان قبل نيف وسنة، عندما أسقطت بالاقتراع دول مهمة مثل فرنسا، مشروع الدستور الاتحادي. تعرّض البناء الاتحادي، يومذاك، لنكسة؛ أعاقت المسيرة وفرضت حالة من الشلل على مجمل العملية وكان يمكن أن تكون ضربة قاضية، فهي جاءت في أواخر عهد قيادات، وضعت كل ثقلها وراء إقامة صرح الاتحاد ـ مثل شيراك وشرويدر ـ لكن الالتزام الأوروبي بالمشروع الكبير، كان كفيلاً بحمايته، ومن هنا كان البحث عن صيغة لتعويمه. وقد تبدّى هذا الحرص في النية لتضمين المعاهدة العديد من بنود الدستور الاتحادي الذي جرى التخلي عنه، لأسباب قومية ضيقة.
المفتاح في كل ذلك وفي تجاوز كافة الصعوبات والمطبات كان في الاستعداد لتقديم التنازلات المتبادلة. جرت مساومات صعبة في المفاوضات أحياناً سيطر الجمود بسبب عدم الرغبة في التزحزح، لكنه لم يصل إلى حد التحكم والاستبداد بعملية التفاوض. الغلبة في النهاية كانت للقواسم المشتركة؛ وبالتالي للمضي في بناء الصرح الاتحادي بما هو الإطار الذي تتقاطع وتتحقق فيه المصالح الأوروبية الكبرى والبعيدة المدى.
حصول هذا التطور الأوروبي في هذا الوقت يفرض المقارنة بينه وبين أوضاع منطقتنا؛ من حيث ان الاثنين على طرفي نقيض. المفارقة المفجعة انه يتوفر عندنا من قواسم مشتركة مالا تملكه أوروبا. من كافة النواحي. وعلى كل صعيد. والأفجع من ذلك أن بعض ساحاتنا العربية ليست غير قادرة على صيانة مصالحها الوطنية فحسب بل هي أيضاً غير قادرة على التوصل لتفاهمات حول قضاياها الخلافية. بل هي عاجزة حتى عن التحاور بشأنها. فهل تتعلم شيئاً من الاتحاد الأوروبي؟
