أن يشهد المشهد السياسي الخاص بالساحة العربية المزيد من فصول الفتنة والانقسام والتشرذم، فذلك يعني، فيما يعنيه، أن المشروع الإمبريالي ـ الصهيوني الخاص بهذه المنطقة من العالم لا يزال يحمل في جعبته المزيد من مصادر وأدوات التأثير والفعل والحسم عندما يتعلق الأمر برسم الخارطة السياسية لها ولحظة تحديد طبيعة وآفاق العلاقات التي تجمع بين قواها الرئيسية.
مثلما يعني إخفاق كافة محاولات سبر ماهية هذا المشهد القاتم بعيدا عن جذوره الحقيقية وثيقة الصلة بذاك المشروع الاستعماري، الذي لطالما حقق لأصحابه النصر تلو الآخر في ظل غياب رؤية واضحة من جانب هذا الطرف العربي أو ذاك حول حقيقة ما يجري على أرض الواقع من أحداث وتطورات ما كان لها أن ترى النور لو الدور التخريبي العنيف، الذي تلعبه تلك القوى وممثلوها المحليون في قلب هذا المشهد الدامي بتفاصيله المفجعة الجارية على قدم وساق في غير بلد عربي وبأيد عربية هذه المرة وفي مرات عديدة قادمة على ما يبدو، لا سيما وأنه بات جليا عدم وجود سقف للخيال الدموي الجامح في رؤوس أصحاب ذلك المشروع العدواني القائم على العنف في المقام الأول.
هذا الكلام لا يرفع، بالمرة، المسؤولية عن كاهل معظم إن لن نقل كافة القوى المحلية التقدمية القومية والوطنية منها على حد سواء، لكنه يؤكد لها ضرورة امتلاك ناصية رؤية حقيقة صائبة نوعا ما فيما يتعلق بمرد الصراعات الداخلية الدائرة رحاها في غير بلد عربي، على ألا تبتعد بؤرتها عن المركز الحقيقي لكل المشكلات والمعضلات وحالة التردي، التي تعاني منها بقوة شديدة سائر بلدان المنطقة العربية والمتمثل باغتصاب أرض فلسطين .
وإقامة كيان مصطنع عليها، مع التأكيد المطلق على أن مجمل الأحداث التي أعقبت قيام الدولة العبرية إنما جرت في سياق واحد وحيد هو توفير الإمكانات والضمانات اللازمة لاستمرار حياة هذا الكيان السرطاني الدخيل على أرض العرب تحقيقا لمصالح إمبريالية ـ صهيونية عليا لم تعد خافية على أحد.
وإذا كان الفشل حليف أي تحليل سياسي لما آلت إليه الأمور على الساحة العربية لأنه لا يؤخذ في الاعتبار أو حتى لا ينطلق من هذه الحقيقة الساطعة، فإن المراد من محاولة التركيز على بؤرة الأحداث هذه إنما يندرج في إطار محاولة الاقتراب من أقرب تشخيص لما تشهده هذه البقعة من الكرة الأرضية من اصطفافات وانزياحات أيديولوجية وسياسية عميقة تدفع عددا لا يستهان به من الأنظمة والقوى السياسية العربية إلى وضع نفسها كليا في سلة وخدمة أعتى قوة امبريالية في العالم، ممثلة بالولايات المتحدة وربيبتها الدولة العبرية المارقة.
إذ لا يعقل أن يصل الأمر إلى حد الوثوق بعدو واضح المعالم والأبعاد والتشدق بحسن العلاقة معه وخطب وده صباح مساء واستجداء لقاء معه هنا أو هناك، فيما بات الأخ والشقيق والصديق ورفيق الدرب يحتل موقعه وتشحذ السكاكين والهمم ضده في كل الأوقات وعلى جميع الصعد وعلى المكشوف.
لكن من غير المسموح لمثل هذا الطرح أن يصب، ولو بالحد الأدنى، في خانة مقولة (الحق على الطليان) الشهيرة أو مبدأ تعليق كافة الأخطاء والمصائب والنكبات على شماعة القوى المعادية وما تحيكه هذه من مؤامرات ضد الشعوب العربية.
فالقصة برمتها تتعلق فقط بالحاجة إلى الولوج بتحليلاتنا إلى العمق اللازم، الذي ربما يكون قادرا على تقديم ذلك التشخيص المطلوب لحقيقة الطور الذي آلت إليه العلاقات ليس بين هذا البلد العربي وذاك فحسب، بل بين هذه القوة السياسية أو تلك في كنف البلد العربي الواحد أيضا.
حيث يلاحظ وبوضوح انعدام وجود مقومات مثل التجانس والتكامل التي تجمع بين المكونات المختلفة للمجتمع السياسي العربي في هذا البلد العربي أو ذاك أو في كنف جامعة الدول العربية نفسها، بحيث باتت الأولية تعطى، في المقام الأول، للدور الوظيفي المناط بكل طرف على حده أو بعدد من الأطراف مجتمعين طالما أن هذا الدور يصب في مصلحة المركز الامبريالي المذكور.
وحتى لا يبقى هذا الطرح بلا سند، فإنه لا حاجة لكثير عناء لإدراك تمكن الولايات المتحدة بالقول والفعل من وضع هيكلية تنظيمية سياسية ناجعة للمنطقة قوامها عدد مؤثر من الأنظمة والقوى السياسية، التي تعمل جاهدة بكل إخلاص ووفاء للمصالح الأميركية العليا إلى درجة إغفال الرأي العام المحلي الغارق، بدوره، في سبات طال أمده بشكل منقطع النظير هذه المرة.
درجة اللا معقول وصلت إلى حد التحرك المشترك النشط العربي ـ الصهيوني ـ الأميركي وعلى أعلى المستويات ردا على أحداث عربية داخلية كتلك الجارية في قطاع غزة ولن تأتي القمة الإسرائيلية ـ الأميركية ـ الأردنية ـ المصرية المرتقبة بجديد في هذا السياق إلا باتجاه تكريس عمل تلك الهيكلية التنظيمية الإمبريالية، الذي يهدف، في الحالة الفلسطينية الراهنة، إلى تكريس حالة الانقسام الفلسطينية سياسيا وجغرافيا تناغما مع التوجهات الإسرائيلية التاريخية والتي لا ترى أي فائدة من إبقاء غزة تحت الاحتلال.
مثلما كرست قمم وتحركات أميركية ـ إسرائيلية ـ عربية أخرى حالة الانقسام في تجارب مثل السودان والعراق ولبنان، فإن قمة شرم الشيخ المقبلة لن تخرج عن الإطار نفسه، الذي لا نأتي بجديد إذا قلنا إنه يتساوق مع عقيدة «الفوضى البناءة»، وليدة فكر غلاة المحافظين الجدد والصهاينة الجدد والمتخاذلين الجدد من العرب.