ما يجري من هجمات ضد الشرق من قبل الغرب في محاولة لإعادة وضع هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم في مناطق النفوذ الاستعمارية الجديدة وفقا لما نراه بأعيننا من شواهد واضحة ومشاهد فاضحة لا يحتاج إلى نظر حاد، وما ندركه بعقولنا مما نقرأ من وثائق غربية كاشفة وما نسمع عن مشروعات دولية ناسفة لا تحتاج إلى ذكاء حاد، لكن مواجهة تلك المخططات الشريرة هي التي تحتاج إلى وعي شعبي حاد وإلى عمل رسمي جاد يوحد ولا يفرق، يقوي ولا يضعف، لا ينجرف ولا ينحاز إلا إلى إرادة الشعب العربي.
و لا يمكننا مع ما نقرأ ونشاهد ونتابع أن نفصل في الرؤية والمواجهة والمصير بين ما يجري تنفيذه حاليا في فلسطين عما يجري تنفيذه في العراق وفي لبنان وفي الصومال وفي السودان بل وما يدبر ضد سوريا والسعودية ومصر وفقا لخرائط جديدة تتوزع بقيادة القوى الاستعمارية الجديدة التي ورثت قيادتها الإدارة الأميركية الحالية بقاعدتها الصهيونية وأدواتها المحلية تطبيقا لسيناريو تدميري تقسيمي شرير موحد ضد مستقبل كل منطقتنا الواحدة غير الموحدة.
وفى الوقت الذي تتوزع فيه المسؤولية عما يجري بين الأسباب الذاتية الداخلية لضعف المناعة الوطنية والقومية بسبب تقديم الفردي على الجماعي والحزبي على الوطني والوطني على القومي وبالتالي ضعف القدرة الرسمية على المقاومة أو الممانعة بسبب الانقسام العربي والإسلامي وهو ما يبدو مبررا، وبين الأسباب الموضوعية الخارجية المتمثلة في التحالف الجديد القديم الصهيوني الأوروأميركي لتدويل المنطقة، وهو ما يبدو مقررا. وهنا يمكننا القول بأن كل بؤر التفجر المشتعلة الآن على امتداد المنطقة العربية والإسلامية بالحروب والفتن والانقسامات إنما هي جبهات متعددة لحرب عدوانية دولية واحدة.
والآن وبعد أن وقع بكل أسى ما وقع من أحداث اقتتال دامية بين الإخوة المناضلين في غزة الصامدة، والتي عمقت إلى حد بعيد الانقسام الوطني الفلسطيني بين أكبر فصيلين وطنيين، بما قسم أراضي مشروع الدولة الفلسطينية في الواقع الآني إلى قسمين بحكومتين بما يبدو مشروعا لدولتين لشعب واحد، وقوعا في المحظور وسقوطا في شباك المشروع الصهيوأميركي لفصل الضفة عن القطاع للالتفاف على مشروع الدولة الفلسطينية الواحدة.
فإن ما وقع فصائليا وما يجري استثماره إقليميا ودوليا مما وقع لتصفية القضية الفلسطينية كلها يهدد بتداعيات سلبية خطيرة مستقبل القضية الفلسطينية لفرض الأمر المختل الواقع بأيادي المحتل الإسرائيلي والأيادي الأميركية والأوروبية بينما قيل إنها أياد خفية في محاولة لصرف الأنظار عنها وتحويل الأنظار إلى أطراف وطنية وعربية وإسلامية داعمة للمقاومة الوطنية بفصائلها المختلفة، بينما هذه الأيادي الشريرة في الواقع المرئي ليست خفية بل مكشوفة أمام الشعب العربي الواعي.
كما يراد استغلال ما وقع من خطيئة الاقتتال نتيجة استفزازات وأخطاء فلسطينية من بعض المنتسبين إلى فتح أو إلى حماس بما يؤدي إلى تصفية القضية وإهدار دم الشهداء بين الفصائل، وإلى بعثرة الجهود السياسية العربية لحل القضية على أساس الدولتين وفق الرؤية الأميركية (فلسطينية وعاصمتها القدس، والإسرائيلية على حدود عام 67)، بعدما تنقسم الدولة إلى دويلتين بسبب رفض حكومة الوحدة الوطنية، انقلابا على اتفاق مكة، ورفض مطلب الحوار الوطني والتصادم مع الشرعية الشعبية خلافا لنتائج الانتخابات الديمقراطية، وتعطيل المجلس التشريعي بما يجعل من إسرائيل على الأرض فاصلا جغرافيا وسياسيا بين الدويلتين.
لقد سبق أن حذرنا قبل وقوع ما وقع من مخاطر ارتفاع حدة المواجهات السياسية والاشتباكات العسكرية في تصويب خاطئ ضد الجبهة الخطأ التي تضع الوضع الفلسطيني في ظل الانفلات الأمني على حافة الفتنة الوطنية بين إخوة الوطن ورفاق الكفاح وأكدنا ومانزال نؤكد ألا سبيل إلى احتوائها إلا بالحوار، فهو البديل الوحيد عن مزيد من الانقسام والاحتقان الذي قد يولد الانفجار الأكبر بالسماح بمحاولة اجتياح إسرائيلي لغزة يمهد على غرار سيناريو جنوب لبنان إلى تدخل دولي بيونيفيل في غزة على غرار جنوب لبنان والذي لن يكون له من نتيجة ـ لا قدر الله ـ سوى الانتحار.
إن الحل الوحيد في فلسطين مثلما هو الحل الوحيد في لبنان لإنقاذ ما ينبغي إنقاذه هو العودة إلى الحوار والوفاق على حكومة وحدة وطنية هو الهدف الذي يصبح الانصراف عنه خطيئة يحرم اقترافها ولذلك يجب حشد كل الجهود بالوسائل الديمقراطية الوطنية تحت مظلة عربية رسمية وشعبية لتحقيقه كشرط لا بديل عنه للقدرة على استعادة الحقوق الوطنية سلما عادلا أو مقاومة، ولمواجهة الغارات العدوانية الإسرائيلية التي لم تتوقف ضد الشعب الفلسطيني كله بفتحه وحماسه وعلى الضفة والقطاع على «رام الله» أو على «نابلس» أو على «غزة».
كما سبق أن ارتفعت الأصوات العربية والإسلامية المخلصة والواعية وكل الفصائل الفلسطينية الوطنية المناضلة تؤكد على (تحريم) الدم الفلسطيني بالسلاح الفلسطيني و«تجريم» الاقتتال الأهلي بين إخوة الكفاح (فتح) و(حماس) أكبر الفصائل الوطنية واعتبار أن توجيه السلاح إلى صدر أي فلسطيني من أي فلسطيني هو خط مكهرب لكل فلسطيني.
وتحذر اللاعبين بالنار سواء بالممارسات الفصائلية المارقة غير المسؤولة أو المندفعين إلى صب الزيت على النار بالتصريحات النارية الحارقة غير المسؤولة، من المنتسبين لأي من الحركتين من إشعال نار الفتنة، وحشد السلاح في الجبهة الخطأ والتحول من المقاومة وقتال العدو المحتل إلى سقوط الشعب المحتل في فخ الاقتتال في إساءة كبرى لتضحيات الشهداء.
ورغم كل ما جرى فإننا لم نصل بعد إلى نهاية القضية وتجمع الرؤى المخلصة على أن الحلول الديمقراطية ما تزال ممكنة، وعلى ضرور العودة للحوار الوطني لإعادة توحيد الصف الوطني على أساس اتفاق مكة وما سبقه من اتفاقات في القاهرة ودمشق لقطع الطريق على من يريدون تمرير المشروع الصهيوني الأميركي لتعميق الانقسام القومي لصالح الكيان الصهيوني بزرع الفتن لتعميق التناقضات الثانوية بين الأشقاء تصبح حتى هي الأكثر اشتعالا عن التناقضات الأساسية مع الأعداء..
ولا حل سوى وقفة مع النفس أمام ضمائرنا واتقاء الله في أوطاننا وشعوبنا والتوصل بالحوار إلى برنامج تحرير وطني مقاوم على أرضية الثوابت الوطنية المشتركة وعلى خلفية القواسم السياسية المشتركة بين الفصائل الوطنية دون أية محاولة لإقصاء نصف الشعب الفلسطيني وذلك لإعادة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ببرنامج سياسي لا يخضع للشروط الصهيونية الأميركية، ويتوافق مع الشرعية العربية والأممية.
إن المشهد الفلسطيني المحزن الذي يسيء لقضية العرب الكبرى أمام العالم يجب العمل على تجاوزه وتصفية آثاره من موقف الإخوة لا من موقف العداء حتى لا ينذر بأسوأ النتائج فيما لو تصلبت المواقف الفصائلية الضيقة الرافضة للحوار الوطني والمصالحة وللحلول الديمقراطية وللجهود العربية وتجمدت المبادرات العربية.
وانزلق الأطراف من جديد إلى هاوية المواجهة الدموية ـ لا قدر الله ـ هو مشهد ينبغي إسدال الستار عليه وتغييره وتجاوزه، بمشهد مسؤول جديد يخفض الأسلحة في مواجهة الشقيق ولا يرفعها إلا لمقاومة العدو والمطلوب الآن من كل العقلاء إسدال الستار فورا على هذا المشهد غير المسؤول والحل لن يكون إلا بالحوار وحل مشاكل الحوار بالمزيد من الحوار، هذا هو الطريق والبديل هو القبول بالانتحار!
كاتب مصري