رغم أن القرن الواحد والعشرين لا يزال في بدايته، ألا أن العراق قد يكون هو العقدة الأميركية في المنتصف الأول لهذا القرن.كانت فيتنام عقدة القرن العشرين بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فقد بدأت تلك العقدة في منتصف القرن الماضي، وهو القرن الذي كان منتصفه مجللا بانتصارات أميركية باهرة كانت هي العلامات المميزة لدخول الولايات المتحدة إلى المشهد العالمي كقوة عظمى.

فبينما كان القرن العشرين يحبو في بداية سنته الرابعة عشرة انفجرت الحرب العالمية الأولى في القارة التي لم تكن عجوزا بعد، وكان كل طرف من أطراف النزاع يتمنى أن تكون الولايات المتحدة الأميركية حليفته فاختارت هذه الأخيرة حلفاءها وتدفق مئات الآلاف من الجنود الأميركيين لأول مرة إلى القارة الأوروبية حيث كان مظهرهم واختلاف ألوان بشرتهم محلا لفضول ودهشة رجال ونساء القارة، غير أن أداء هؤلاء في الحرب كان حاسما في انتصار الطرف الذي انحازوا إليه ومنذ تلك اللحظة أدرك القادة الأوروبيون بأن أوروبا لن يكون بإمكانها أن تفعل شيئا على مستوى العالم دون مشاركة الولايات المتحدة الأميركية.

كانت نهاية الحرب العالمية الأولى انتصارا أميركيا رغم أن احتفالات النصر الشكلية جرت في لندن وروما وباريس، لأن تلك الحرب أخرجت المارد الأميركي من قمقمه المعزول خلف المحيط الأطلسي، فتذوق طعم النصر على ارض القارات الأخرى وعاين عن قرب ضعف وهشاشة القوى التي كانت تعتبر نفسها آلهة الحرب والسلم في العالم.

كانت المشاركة الأميركية في الحرب العالمية الأولى بمثابة القدم الأميركية الأولى على رقعة الاستراتيجية العالمية، ولكنها كانت قوية وثابتة سجلت أول نصر أميركي في صراع عالمي في الربع الأخير من القرن الذي سيشهد منتصفه حربا عالمية ثانية لم تدخلها الولايات المتحدة الأميركية إلا بعد ان يقنت أن أطرافها الأوروبيين استنزف بعضهم بعضا ووصلوا إلى حالة من الإنهاك التي تجعل دخولها إلى جانب أي منهم كفيلا بحسم الصراع وخروجها منه منتصرة .

وذلك ما تحقق بالفعل فقد أطلت الولايات المتحدة على العالم من شرفة يالطا كقوة جبارة لا ينازعها على سيادة العالم سوى الاتحاد السوفييتي، بينما أخذت أوروبا بمنتصريها ومهزوميها تتكئ على أكتاف الولايات المتحدة وتعرج بجانبها مثل ما تنبأ لها الرئيس توماس جيفرسون في القرن التاسع عشر فكان مشروع مارشال لاعادة بناء أوروبا الغربية المهدمة لحمايتها من المد الشيوعي هو أول تجليات تلك النبؤة.

كان القرن العشرين من بدايته إلى ثلثه الأخير عبارة عن سلسلة من النجاحات والانتصارات الأميركية التي قادت الولايات المتحدة إلى المستنقع الفيتنامي الذي أدخل المجتمع الأميركي إلى ما عرف بالكابوس أو أعراض الحالة الفيتنامية،التي ظلت عقدة متحكمة في السياسة والثقافة والمجتمع طوال عقدين من الزمن إلى أن قيض الله قبل نهاية القرن فرصة تاريخية سانحة في منطقة تتوافر فيها دوما شروط صنع الانتصارات العسكرية السهلة للغزاة والمغامرين.

فكانت ما عرف بحرب الخليج الثانية هي المخرج من تلك العقدة الفيتنامية، حيث قادت الولايات المتحدة العرب والغرب معا في حرب لم تتعد خسائرها في الأرواح عدد ضحايا اليوم الواحد لحوادث السير على الطرق في إحدى الولايات الأميركية، وقد تزامن هذا النصر مع لحظة تاريخية مهمة حيث كان خصمها الأيديولوجي يلفظ أنفاسه الأخيرة، فبدا هذا النصر بمثابة حجر الأساس في بناء صرح نظام دولي جديد تنفرد فيه الولايات المتحدة بالعالم.

كان هذا الانتصار السهل من أفضل النجاحات التي حققتها الاستراتيجية الأميركية في النصف الثاني من القرن العشرين لعدة اعتبارات منها:

1 ـ حررت هذه الحرب الولايات المتحدة من العقدة الفيتنامية، التي كانت بمثابة قيد على صانع القرار الأميركي كلما فكر في اتخاذ قرار من شأنه أن يزج بالقوات الأميركية في حرب خارج الوطن، ولذا فقد كانت نصرا كبيرا دون ثمن يذكر وانعتاقا من آثار هزيمة نفسية مريرة عانت منها السياسة والمجتمع الأميركيين طويلا.

2 ـ جعلت حرب الخليج الثانية من الولايات المتحدة الأميركية التي قاتل إلى جانبها معظم الحكام العرب بالسلاح والرجال، تظهر كقوة تحرير يستقبل العرب جنودها ودباباتها بالورود والأهازيج، وهو أمر بالغ الشذوذ بالنسبة لتاريخ المنطقة الحديث، بينما يعد مشهدا يدعو إلى الكبرياء ويعيد الثقة بالنفس بالنسبة للولايات المتحدة، التي لم تحظ جيوشها بمثل هذا الاستقبال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

3 ـ أدى نجاح حرب الخليج الثانية أميركيا إلى عودة الخيار العسكري الذي تراجع بعد حرب فيتنام ليطغي على الاستراتيجية الأميركية كوسيلة أكثر فاعلية في تحقيق الأهداف واقل تكلفة في بقاع كثيرة من العالم فرأينا تطبيقات لتلك الرؤية متمثلة في الحرب الجوية ضد يوغسلافيا، والتي حققت أهدافها دون خسائر، كذلك محاولة تكرارها في الصومال في ظروف مختلفة ولعله كان من غير المؤكد أن يكون قرار الذهاب إلى أفغانستان بتلك السهولة والسرعة لولا النجاح في حرب الخليج الثانية والتخلص من العقدة الفيتنامية.

لقد أدت ما حققته تلك الحرب من نتائج إلى إعطاء الأولوية إلى القوة العسكرية في خيارات الاستراتيجية الأميركية، ولم يكن هناك تيار سياسي أكثر تأهيلا من اليمين لتبني هذه الرؤية بالمطلق ولعله أيضا لم يكن هناك أفضل من جورج بوش الابن ليرأس الإدارة المعبرة عن تلك الرؤية، ولكن المفارقة التاريخية التي قد تحدث هو انه في حالة فشل مخططات الحرب التي بدأ تنفيذها على عدة جبهات من غزة إلى نهر البارد، فإن المنطقة التي تخلصت فيها الولايات المتحدة من عقدتها الفيتنامية قد تخرج منها بعقدة أخرى اسمها الكابوس العراقي.

كاتب ليبي - جامعة بنغازي