يبدو أن الثورة الفلسطينية تتخذ مساراً مناقضاً لثورات التحرر الوطني في التاريخ القريب والبعيد، ولعل أبرز مثال هو الثورة الفيتنامية. الحركة الوطنية في فيتنام لم تبدأ بثورة مسلحة. فعندما بدأت نشاطها ضد الاستعمار الفرنسي خلال عقد الثلاثينات من القرن المنصرم فإن أسلوبها النضالي المعتمد آنئذٍ بزعامة «هوشي منه» كان تنظيم مظاهرات سلمية في المدن، بطبيعة الحال كانت السلطة الاستعمارية تقمع المظاهرات بوسائل الغاز المسيل للدموع ومدافع الماء وغيرهما من الوسائل غير القاتلة، لكن مع حلول منتصف الثلاثينات اختلف الأمر. فقد حلت قوات الجيش محل قوات الشرطة المدنية.

وعوضاً عن الغاز والضرب بالهراوات ومدافع الماء جرى استخدام الرصاص الحي، وبعد أن دخلت على المشهد الطائرات الحربية المزودة بقنابل ومدافع رشاشة لمساندة قوات الجيش على الأرض قررت الزعامة الفيتنامية طي صفحة مرحلة نضالية لتبدأ صفحة جديدة.

تلك كانت بداية التحول النضالي النوعي لمواجهة وضع جديد بوسائل نضالية جديدة بعد أن توصلت القيادة الوطنية الفيتنامية إلى قناعة نهائية بتدشين عهد المقاومة المسلحة، وعن طريق الثورة المسلحة حارب الفيتناميون ليس الاستعمار الفرنسي وحده، وإنما ما تبعه أيضاً من استعمار ياباني واستعمار أميركي ـ وانتصرت عليهم جميعاً إلى أن تحقق النصر النهائي للثورة في عام 1975.

هذا هو منطق التحرر الوطني: اعتماد الكفاح المسلح بعد ثبوت فشل وسائل الاحتجاج السياسي السلمي، الآن تعكس «فتح» هذه المعادلة بإلغاء نهج المقاومة المسلحة لصالح الأسلوب السياسي في مواجهة سلطة احتلالية استيطانية تستخدم العنف الوحشي بكل وسائله بما في ذلك القصف بالطائرات من أجل القتل بالجملة.

لقد افتتح الرئيس محمود عباس أبو مازن قائد فصيل فتح عهده السلطوي بعد انتخابه رئيساً بإعلان شعار «إزالة عسكرة المقاومة» كمرتكز أساسي لسياسته. لكنه بادئ الأمر لم يتمكن من إنقاذ هذه السياسة، والآن مع حلول الظرف السياسي الجديد الناشئ عن تصعيد الدعم الأميركي الإسرائيلي للرئيس و(فتح) بعد سيطرة «حماس» على قطاع غزة تراءى للرئيس أنه صار إزاء فرصة تاريخية فريدة يتعين عليه التعجيل باستثمارها من أجل القضاء نهائياً على المقاومة الوطنية.

من هنا نفهم لماذا لجأ الرئيس إلى نسف النظام الديمقراطي التعددي. فهو يدرك أنه ليس بوسعه إلحاق هزيمة حاسمة بحركة نضالية في حجم حماس السياسي اكتسحت الانتخابات النيابية. ولذا فإنه لم يتردد ـ وراءه الظهيران الأميركي والإسرائيلي ـ في اتخاذ إجراءات خطيرة لإلغاء النظام الديمقراطي، ولهذه الغاية أمر بتعطيل المجلس التشريعي المنتخب ليحل مكانه «المجلس المركزي» غير المنتخب. ولم يكن مثار دهشة أن أول «توصية» اتخذتها هذه العصابة هي حظر قوات فصائل المقاومة.

وصفوة القول إن القضية المصيرية الفلسطينية صارت على طريق «خارطة الطريق».