في الماضي غير البعيد كان المأخذ على المتحاورين، في الساحات الفلسطينية واللبنانية والعراقية، أنهم يمارسون حوار الطرشان، يلتقون، يتباحثون ثم يخرجون كما دخلوا، المراوحة سيدة الموقف، لا حلحلة ولا تزحزح، فقط الإعلان عن استئناف اللقاء، والانطباع كان.
أنهم يشترون الوقت وأنهم يلتقون لرفع العتب فقط، لكن على الأقل كانوا على تواصل؛ وبالتالي أبقوا على وجود فسحة للأمل، وفي أسوأ الحالات شكّلت أجواء الحوار نوعاً من الكوابح على التصعيد. وذلك بحدّ ذاته مكسب؛ بمعايير الأوضاع القائمة وما تختزنه من أخطار كبيرة ومصيرية.
اليوم، حتى مثل هذا المطلب المتواضع صار بعيد المنال، انفرطت طاولة التحاور، عودة المتحاورين باتت مربوطة بشروط أقرب إلى التعجيز، هذا إذا كانت هناك أصلاً نية للحوار، كل فريق تخندق في موقعه وراح يرمي باشتراطاته من خلف جدار القطيعة التامة، مع الشريك، المفترض أن لا ينقطع خيط التداول والأخذ والردّ معه، في أفضل الحالات يجري الحوار معه بالواسطة.
وحتى بهذه الطريقة، بقي الانسداد على حاله وكأن الحوار المباشر ممنوع، بل ممنوع الوصول إلى أي تفاهم ولو عبر فريق ثالث، الأنكى أنه بالرغم من ذلك لا ينفك كل واحد من أطراف هذه الأزمات، عن التأكيد على عزمه ورغبته في استئناف الحوار!
في الساحة الفلسطينية، علامات بل إجراءات القطيعة لا تخطئ: السلطة تتحدث بوضوح عن هذه الحالة وتتخذ خطوات تؤكدها، على الأرض، تنطلق من اعتقادها بأن شريكها السابق في حكومة الوحدة الوطنية قام بـ «انقلاب» على الشرعية و«أجهض» الحكومة.
من جهتها ترد حكومة هنية بإجراءات ـ تعيينات وإقالات ـ وبرفع صوت الاحتجاج على خطاب رئيس السلطة أبو مازن، أمام المجلس المركزي وما احتواه من اتهامات لـ «حماس». وفي الوقت نفسه لا يزال شعار اليد الممدودة للحوار قائما بصيغة أو بأخرى من جانب الفريقين.
في الساحة اللبنانية السيناريو ذاته تقريباً، وفد القمة العربية قضى أربعة أيام في بيروت، قام باتصالات مكوكية تقريباً على مدار الساعة، وأوحى انه على وشك كسر الجليد وإحياء طاولة الحوار في شكل من الأشكال، في آخر المطاف اكتشف ان المعوقات أمام العودة إلى التحاور أكبر من القدرة على إزالتها، قفل عائداً إلى حيث أتى، وبقي الجمع بين المختلفين غاية متعذرة حتى اللحظة.
والحال على هذا المنوال وأكثر في العراق. ما كان مشروع مصالحة، انطفأ أثره، حتى سيرته خرجت عن التداول. ليس ذلك فحسب، بل إن النقيض، المتمثل في زيادة ورفع وتيرة الاستقطابات هو البضاعة المتداولة. خلط الأوراق وسياسة المحاور هي القاعدة المعمول بها. ترجمة ذلك: المزيد من الإقصاء والاستبعاد لسياسة المصالحة. ناهيك عن الحوار والتسويات.
بذلك، بات الحبل مقطوعاً بين الأطراف الداخلية المعنية في البؤر الملتهبة الثلاث، مجرد الجلوس معاً بات بمثابة المطلب الصعب تحقيقه، لذلك يسود الحديث عن صيف مخيف، يكون الحريق عنوانه الكبير. وقد لا تكون في ذلك مبالغة، فالانهيار هو البديل لغياب الحوار في هذه الساحات التي تمرّ في مرحلة مفصلية حاسمة، فهل تقدم المنطقة هدية على طبق من فضة لأعدائها؟
