ماذا حدث في غزة؟ هل سقطت فلسطين في منطق الحرب الأهلية ودويلات الأمر الواقع قبل أن تقوم الدولة الموعودة والتي يبدو أن تحقيق قيامها مازال بعيدا.
هل صار «تحرير» غزة من فتح بديلاً أو شرطاً لتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي هل كان اتفاق مكة هدنة مؤقتة ولحظة لالتقاط الأنفاس قبل الدخول في السباق النهائي «للاستيلاء» على غزة واحتكار السلطة.
بعيدا عن الاتهامات المتبادلة وحصول «الانقلاب الاستباقي» والدخول في متاهة صراع الشرعيات وهو صراع مزدوج: صراع حول الشرعية الدستورية والشرعية الشعبية، بعيدا عن ذلك كله، يمكن القول إن هنالك جملة من الأسباب ساهمت في خلق الحالة المهترئة التي وصلت إليها غزة والتي ساهمت بدورها في توفير الظروف لحدوث حرب غزة. من هذه الأسباب:
- تراكم الأخطاء وسوء الممارسة وسوء الإدارة التي طبعت حكم السلطة الوطنية الفلسطينية منذ قيامها غداة اتفاق إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو) ولو أن طبيعة الوضع على الأرض بوجود الاحتلال واستمراره لم يكن عنصرا مسهلا لإطلاق يد السلطة الفلسطينية في ممارسة مسؤولياتها ودورها رغم ذلك فإن الوضع الاحتلالي بتداعياته الخطيرة لم يكن مبررا لطبيعة ممارسة السلطة التي شهدتها فلسطين «شبه المحررة» خلال أكثر من عقد من الزمن.
- غياب عرفات الرمز والزعيم الكاريزماتيكي الذي كان يمثل في نهاية الأمر عنصر ضمانة ضد التفتت والتذرر الكبيرين والوصول إلى طريق اللا رجعة التي وصل إليه الجسم السياسي الفلسطيني.
- ما حصل في فلسطين في السنوات الأخيرة جزء من السياق العربي العام على الأصعدة العقائدية والقيمية والسياسية حيث تراجعت الحركات الوطنية التقليدية في جاذبيتها العقائدية والسياسية لمصلحة صعود حركات الإسلام السياسي ذات المنظومة العقائدية والخطاب السياسي الجذاب خاصة إذا ما حصل ذلك في إطار الخصوصية الفلسطينية وبالأخص الغزية حيث هنالك الاحتلال الجاثم على الأرض والخانق والمهين للمجتمع والبؤس الاقتصادي بتداعياته الاجتماعية المتزايدة.
- سياسة تغييب عملية السلام أو إلغائها الفعلي التي تمارس منذ أكثر من ست سنوات وتواكبها سياسة ناشطة في تركيز الاحتلال الأمر الذي يجعل من الحديث عن أي أفق سياسي بمثابة سراب أو وهم، كل ذلك ساهم في زيادة الاحتقان الذي يسهل حالة الانفجار كما يسهل الراديكالية بكافة أشكالها.
- حالة غزة السياسية والاقتصادية والديمغراقية تمنحها قابلية كبيرة للانفجار رغم الانسحاب الأحادي الإسرائيلي الذي جعل غزة بمثابة «سجن ذي سماء مفتوحة».
عملية حماس الانقلابية رغم ما رافقها من حركات مشينة ومهينة أيضا جاءت بتشجيع من سياق مناسب ومؤات حيث إن خطاب حماس يحظى في ظل الانسداد المفروض ومعه الرفض الكلي للتعامل مع حكومة شرعية منبثقة عن انتخابات ديمقراطية، يحظى بشرعية وشعبية تتعديان غزة وفلسطين لتستقرا في الوجدان العربي والإسلامي عامة طالما انه لا يوجد أي بديل قائم أو في الأفق يمثل خيارا آخرا لكسر الحلقة المفرغة التي ادخل فيها الاحتلال غزة والضفة لأربعة عقود من الزمن.
«جاذبية» الخطاب الحمساوي وشعبيته أمر واضح ومصدر تشجيع لحماس للامساك بورقة غزة طالما أنها مرفوضة كشريك في القرار حول غزة وفلسطين. أضف إلى ذلك أن الحفاظ على وحدة الحركة قد يكون من العناصر أيضا التي دفعت للخروج من حالة الجمود التي قد تؤدي إلى حصول انشقاقات ضمن الحركة فيما لو استمر الوضع على حاله مما قوى من قدرة وحجة الأطراف الأكثر راديكالية في الحركة لدفعها نحو إقامة دويلة الأمر الواقع الحمساوية في غزة.
أيا كانت هذه المسببات فإن ما حصل يضع القضية الفلسطينية على مفترق طرق: نكبة جديدة بأيدي الفلسطينيين هذه المرة في الذكرى الأربعين لنكبة 1967 التي نسميها نكسة. فهل دخلنا كما يقول مارتن اندك (واشنطن بوست 15/6/2007) في مرحلة «حل الدولتين حسب الأسلوب الفلسطيني» أي دولة غزة ودولة الضفة الغربية، كبديل عن حل الدولتين فلسطين وإسرائيل اللتين تعيشان جنبا إلى جنب كما هو عنوان عملية السلام، والذي بقي عنوانا دون أي ترجمة واقعية على الأرض ودون حصول أي تقدم باتجاه تحقيق هذا الهدف، سؤال برسم الجميع.
هل ستدخل غزة مرحلة الانقلابات والصراعات ضمن حماس وربما التحول نحو مزيد من الراديكالية وصولا إلى خلق حالة طالبانية في غزة تخرج عن يد حماس أو تقودها بعض حماس أو حماس جديدة أم هل إمساك حماس بغزة كليا سيكون مدخلا لفرض اعتراف من أصحاب القرار الدولي الفعلي بحماس والتعامل التفاوضي معها على هذا الأساس .
هل ان هذا الطلاق بين التنظيمين الأساسيين في الجسم السياسي الفلسطيني قد ساهم كليا في تحرير كل منهما من التزاماته تجاه الآخر والتي كانت بمثابة معوقات ضاغطة عليه: واحد يلجأ إلى استراتيجية الصراع المطلق وآخر يلجأ إلى استراتيجية القبول المطلق أيضا. هذه أسئلة مطروحة أيضا.
واحد يصطدم مع العالم في أهدافه الاستراتيجية ولكنه يستفيد من الانسداد الحاصل لتأجيل ثمن هذا الاصطدام والمساءلة يوما أمام شعبه فيكسب الجولة دائما بسبب مواقف الآخرين الخارجيين، على الصعيد المرحلي، وآخر يلتقي في أهدافه الاستراتيجية مع السياق العالمي ولكن يصطدم على الصعيد المرحلي مع عدم تجاوب الخارج الفاعل معه في تحقيق الأهداف المتفق عليها فيدفع الثمن أمام شعبه ويهمش مكانه ودوره على الصعيد الداخلي بسبب هذا التجاوب والتكيف الكلي مع «الوعد» السراب المقدم من «الخارج»
نحن أمام معضلة قوامها كيفية بلورة سياسة ناجحة وفعالة على الصعيد الفلسطيني لإدارة مرحلة استمرار تغييب التسوية مع الحفاظ بشكل واضح وحازم وذات مصداقية على الأهداف الشرعية والمقبولة دوليا للتسوية. هذه هي لعبة تربيع الدوائر القائمة حاليا. البعض يذكر بأن الثورة تأكل أبناءها ولكن عادة يحصل ذلك إذا ما حصل بعد أن تنتصر الثورة وليس قبل ذلك كما هي الحالة الفلسطينية الراهنة
كاتب لبناني