وكان الجدل على الساحة المصرية في معظم الأحيان مجرد رد فعل على ما يجري في واشنطن، حيث كانت اعتمادات المعونة تمر بسهولة من الكونغرس عندما يكون التوافق بين العاصمتين متحققاً، بينما كان الأمر في غالب الأحيان يشهد موجات من هجوم النواب الأميركيين على السياسات المصرية وتهديدات بخفض المعونة إذا لم تقم مصر بتعديل سياستها وفقاً للشروط الأميركية.

وكانت القاهرة تدرك من جانبها أن الأمر لن يزد على توجيه رسائل للنظام في مصر، وأن الاعتمادات سيتم إقرارها في النهاية لأنها تحقق المصالح الأميركية أولاً وأخيراً.

المشهد هذا العام يبدو مختلفاً، بعد قرار الكونغرس تعليق 200 مليون دولار من المعونة العسكرية السنوية التي تبلغ 30,1 مليار دولار، وربط الإفراج عنها بشروط ثلاثة هي تحسين النظام القضائي في مصر ومنح القضاء مزيدا من الاستقلالية، ثم تحسين حالة حقوق الإنسان والحد من انتهاكات الشرطة في هذا المجال، وأخيراً التحرك بفعالية تجاه الأشخاص الذين يقومون بتهريب الأسلحة إلى غزة!

الرد الرسمي المصري أكد على أن مصر لا تقبل التدخل في شؤونها، وأن المساعدات لا يمكن أن تكون سبباً في الانتقاص من السيادة واستقلال القرار. لكن النخبة ـ وخاصة في أوساط المعارضة ـ صعدت من خطابها في إدانة الابتزاز الأميركي والمطالبة بالاستغناء عن المعونة.

خاصة أن قرار مجلس النواب الأميركي ترافق مع تصريحات مثيرة للجدل من الرئيس الأميركي في اجتماع براغ حيث انتقد استمرار حبس المعارض أيمن نور (الذي تطالب المعارضة في مصر بالإفراج الصحي عنه ولكنها ترفض التدخل الأميركي في قضيته) كما تحدث الرئيس الأميركي في الاجتماع مع الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي كشف بعد ذلك تفاصيل الحديث الذي دار حول وسائل الضغط على النظام من اجل الإصلاح «الديمقراطي»!

ولا شك أن القضية بالنسبة للإدارة الأميركية ليست هي الديمقراطية بأي حال من الأحوال، وإنما هي اختلاف المواقف وتضارب المصالح حول قضايا المنطقة خاصة ما يتعلق منها بالأمن القومي مثل قضايا فلسطين والعراق والسودان، وإذا كان السفير المصري في واشنطن قد علق على الأزمة الأخيرة بأن «المعونة الأميركية لمصر ليست هبة بل استثماراً من اجل مصالح أميركا في المنطقة»..

فإن السؤال هو إلى أي حد تتطابق هذه المصالح مع مصالح مصر والأمة العربية؟ لقد تقررت هذه المعونة بعد كامب ديفيد والمعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية من اجل تشجيع الطرفين (مصر وإسرائيل) على الاستمرار في عملية السلام.

وفي السنوات الأخيرة تم الاتفاق على تخفيض الجانب الاقتصادي منها بنسبة 10% سنويا. وطوال هذه السنوات لم يتوقف الحديث في مصر عن مدى الاستفادة الحقيقية من المعونة، وقيل أن معظمها تسترده أميركا بفرض السلع والخبرة الأميركية وبأثمان مبالغ فيها، بالإضافة إلى الأهم وهو ما تحققه المعونة من مزايا سياسية لأميركا ومن قدرة على التأثير في القرار المصري.

وسواء استمر القرار الأميركي بتعليق ال200 مليون دولار أو تم التراجع عنه بعدم تصديق الرئيس الأميركي عليه أو بمعارضة مجلس الشيوخ، فإن الرسالة الأميركية قد وصلت، والرد المصري لن يغلق الملف الذي سيظل مفتوحاً مع تقلبات السياسية الأميركية ومع تطورات الموقف في المنطقة، وستبقى القضية هي قدرة مصر على الاستغناء عن هذه المعونة بكل تأثيراتها على قرار القاهرة.

ومع اختلاف الظروف، فإن نظرة إلى التاريخ لابد أن تكون مفيدة، وذاكرة مصر لابد أن تعي جيداً تجربة أخرى مع المساعدات الأميركية جرت قبل ما يقرب من نصف قرن، وكانت خطورتها أنها تتعلق برغيف الخبز الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن فلنتأمل هذه «المصادفة!!».. ففي يناير 1965 تلقت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي اقتراحاً من بعض أعضائها بوقف مبيعات القمح الأميركي إلى مصر «حتى تغير الحكومة المصرية سياساتها وتتخذ سياسات اقرب إلى مصالح الولايات المتحدة الأميركية»..

ومر المشروع خلا ل أيام ليصدر مجلس النواب قراره في 26 يناير بوقف بيع القمح لمصر، ورغم أن الإدارة الأميركية أعلنت أنها لا توافق على القرار لأنه «يقيد حريتها في تسيير أمور السياسة الخارجية»، إلا أن ذلك كان إيذاناً بمرحلة جديدة كانت واشنطن تعد فيها العدة مع إسرائيل لضرب النظام في مصر.

كانت مصر منذ عام 1959 ترتبط باتفاقية لبيع القمح الأميركي بتسهيلات كبيرة وفقاً لقانون أميركي لتصريف فائض الصادرات الزراعية للدول التي تحتاجها مقابل عملات محلية يجري إنفاقها على الاحتياجات الأميركية وعلى مشروعات تنمية مشتركة بفوائد بسيطة وعلى آجال طويلة. وكان هذه القانون يضمن لأميركا تصريف الفوائض الزراعية وعدم هبوط أسعارها كما يوفر إمكانيات للتأثير السياسي وفي نفس الوقت كان يوفر لمصر عملات صعبة تحتاج إليها بشدة في هذا الوقت.

كانت مصر قد ارتبطت باتفاق لمدة ثلاث سنوات، تم تجديدها لثلاث سنوات أخرى حتى عام 1965، عندما بدأت السياسة الأميركية ـ مع مقتل كيندي وتولي جونسون ـ تتجه نحو الصدام المباشر مع مصر. وفي هذا الإطار تم استخدام سلاح «القمح» للضغط على مصر.

وجاء قرار مجلس النواب الأميركي الذي أشرنا إليه، ومع المعارضة «العلنية» من الإدارة الأميركية للقرار، فإن محضر اجتماع يكشف عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه عن حرب الثلاثين سنة يفضح حقيقة موقف الإدارة من قرار مجلس النواب ومن قضية القمح كلها، حيث يجتمع وزير الخارجية الأميركي وقتها «دين راسك» مع زعماء المجموعات البرلمانية في مجلس النواب في مايو 1965 لتوضيح الخطوط الأساسية للسياسة الأميركية من الموضوع التي تم تلخيصها في:

1ـ أن المساعدات الغذائية تتم وضمن أهدافها خلق «حالة اعتياد» تتحول بالتدريج إلى «حالة اعتماد».

2ـ عندما تظهر بوادر «حالة الاعتماد» تقوم السياسة الأميركية عن طريق الإيحاء بالإشارة إلى رغبات لها يتم تكرارها مناسبة بعد مناسبة.

3ـ إذا لم يحقق أسلوب «الإيحاء» هدفه، فإنه يتحول بتكرار الإلحاح وبالطلب الصريح إلى «ضغط».

4ـ إذا لم يتوصل الضغط إلى بلوغ مقاصده فإن «الضغط» يتحول إلى «شرط» مسبق، وإلا حل «العقاب» ابتداء من التوقف عن التوريد إلى التوقف عن «التوقيع».

وهكذا عندما تصورت واشنطن أن مصر قد انتقلت من مرحلة «الاعتياد» إلى مرحلة «الاعتماد» بدأت الضغوط وظهرت الاشتراطات. ولم تكن قيمة الاتفاقية قليلة فقد كانت مصر تتلقي قمحاً بقيمة 150 مليون دولار سنويا. وكان ذلك يوفر لها عملة صعبة كانت شحيحة ويتيح لها موارد مكنتها من السير في خطة التنمية بنجاح وتحقيق معدل تنمية بلغ 7% سنويا مستفيدة من سداد قيمة القمح بالعملة المحلية ومن إنفاق قيمته في مصر.

ومن هنا كان صبر عبد الناصر طويلاً في التعامل مع المشكلة ولكنه كان منتبها تماما لما تريد واشنطن وغير مستعد على الإطلاق للتسليم به. ورغم الخلافات فقد كانت الأمور تسير بشكل معقول أثناء ولاية الرئيس كيندي، لكن الأمر اختلف بعد اغتياله وبعد تولي جونسون ودخوله على الفور في سياسات تستهدف تصفية كل الأنظمة الوطنية مستفيداً من مناخ التهدئة مع «الاتحاد السوفييتي» في ذلك الوقت، وتعويضاً عن الهزيمة التي كانت أميركا تلقاها في فيتنام (هل يذكرنا ذلك بالوضع في العراق الآن؟).

والحديث يطول عن هذه الفترة الخطيرة بكل ملابساتها، لكننا نقف فقط عند الشروط التي بدأت الولايات المتحدة تربط بينها وبين تجديد الاتفاق على توريد القمح لمصر في ذلك الوقت، كانت هناك شروط اقتصادية تقلص من الفائدة الأساسية التي تجنيها مصر من الاتفاقية وهي توفير العملة الصعبة الشحيحة وتوجيهها لاستخدامات أخرى خاصة ما يتعلق بتكثيف التصنيع.

وفي هذا المجال كانت الطلبات الأميركية تبدأ باشتراط دفع جزء من ثمن القمح بالدولار، ثم تطلب شراء الأرز المصري بالجنيه المصري، وتفرض على مصر شراء باقي احتياجاتها من المواد الغذائية من أميركا (حتى ولو كانت الأسعار أعلى) وتطلب سداد رسوم عبور سفنها في قناة السويس بالجنيه المصري، ثم تنتهي بطلب إنقاص المساحة التي تزرعها مصر من القطن لأنه كان منافساً قوياً للاقطان الأميركية!

وكان ذلك يعني أن ما ستوفره مصر من ثمن القمح من العملة الصعبة سوف تخسره في البنود الأخرى التي حددتها واشنطن! لكن الأمر لم ينته عند ذلك. فقد كانت الطلبات الأميركية لا تقتصر على النواحي الاقتصادية وإنما امتدت لتطلب من مصر إيقاف برنامجها لإنتاج الصواريخ والاستغناء عن الخبراء الألمان الذين تمت الاستعانة بهم في هذا المجال، كما طلبت واشنطن أن يكون لها فريق تفتيش على المنشآت النووية في مصر بما فيها مفاعل «أنشاص» وعندما بدا التحضير لعدوان 67 وانفتحت مخازن الأسلحة الأميركية أمام إسرائيل، كان المطلوب من مصر أن تسكت.. وإلا!!

وأمام تزايد الضغوط قرر عبد الناصر يومها أن يطلب من الاتحاد السوفييتي شراء القمح مدركاً أن هذا يعطيه فرصة لمواجهة الضغوط، ويوجه رسالة لواشنطن أن ضغوطها لن تكون لها نتيجة. وكان رأيه أن أميركا ستوقع مع مصر اتفاقا جديدا ولكنها ستجعله لمدة سنة بدلاً من ثلاث سنوات.

والأهم أنه كان يدرك أنهم لن يتورعوا عن استخدام سلاح التجويع، وأن مصر عليها ألا تقع في هذا الفخ، وبالفعل استجاب الاتحاد السوفييتي لطلب عبد الناصر. وجاء إعلان موسكو عن ذلك بطريقة دعائية مثيرة حيث أعلنت أن الأوامر قد صدرت لعدد من البواخر التي كانت في عرض البحر أن تغير خط سيرها وأن تتوجه بحمولتها من القمح على الفور إلى الإسكندرية.

ورغم أن ما توقعه عبد الناصر قد حدث، حيث تم تمديد اتفاقية القمح بنفس شروطها القديمة ولكن لفترة محدودة، إلا أن الموقف بلغ نقطة التفجر مع أنباء صفقة الأسلحة الأميركية التي كان حجمها ونوعية ما تضمنته من طائرات حصلت عليها إسرائيل قبل حلف الأطلنطي نفسه إيذاناً ببدء المعركة الحاسمة ضد النظام في مصر.

وعندما ابلغ السفير الأميركي في مايو 1966 الرئيس عبد الناصر بطريقة مخففة بأنباء الصفقة التي كانت مصر تعرف تفاصيلها الحقيقية كان رد عبد الناصر عنيفاً وأنهاه بالقول: «إنه من الواضح أن الرئيس الأميركي دخل هذه الصفقة معتمداً على أن القاهرة سوف تحاول السيطرة على ردود فعلها انتظارا لقبول طلباتها من مبيعات القمح.

ومن هنا فإنه يريد من السفير أن يبلغ الرئيس الأميركي أن مصر لم تعد تريد قمحاً أميركياً.. وأنها إذ تقدم شكرها على ما تلقته من مبيعات القمح وفقا للقانون 480، لكنها الآن ليست على استعداد لان تشتريه بدم أبنائهاً». وانطوت الصفحة ولكن بقي الدرس الذي ينبغي أن يبقى في الذاكرة الوطنية على الدوام!

نقيب الصحافيين المصريين