إلى أي اتجاه يسير رفقاء الدرب الواحد فى فلسطين الجريحة؟ وأي مصير ينتظر قضيتهم التي كانت يوما فى مقدمة القضايا العربية؟
سؤال مطروح (ليس فقط بين رجال السياسة) بل يردده رجل الشارع العربي الذي ضاق ذرعا بما وقع فى غزة من أحداث، وما تلاها من تطورات. الإجابة الأولية لدى أكثر المحللين السياسيين تفاؤلا تبدو قاتمة لما يقرأه من أحداث أقل ما يقال عنها إنها عبثية وضرب من الحمق والجنون.
فما وقع أخيرا فى غزة، وما هو متوقع حدوثه فى بقية المدن الفلسطينية، قدم لإسرائيل هدية ثمينة على طبق من ذهب، وحقق لها حلما طالما تمنت تحقيقه. فما حدث فى غزة لم يعمق فقط الانقسامات بين حركتي فتح وحماس، بل أجبر فصائل فلسطينية أصغر على مساندة طرف ضد آخر، الأمر الذي أشعر الفلسطينيين بخيبة الأمل إزاء زعمائهم المتخاصمين.
وفى هذا السياق أظهر استطلاع أجرته مؤسسة الشرق الأدنى للاستشارات بعدما عين عباس حكومة طوارئ جديدة، أظهر أن واحدا من بين كل ثلاثة فلسطينيين يؤيد فتح، بينما يؤيد حماس نحو نصف هذا العدد، فيما قال 43 في المئة من الذين استطلعت آراؤهم إنهم لا يثقون في أي فصيل سياسي، وهذا بالضبط ما تسعى إسرائيل إلى تحقيقه. فتل أبيب تدعي انه لا يوجد شريك فلسطيني تتفاوض معه.
وبالتالي تبدو على الساحة الدولية وكأنها ساعية للسلام وحريصة على تحقيقه، فى الوقت الذي تعربد فيه آلاتها العسكرية فى الأراضي الفلسطينية بعد أن قطعت أوصالها عبر الجدار العازل والحواجز وغيرها.
فلقد ظل عزل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية هدفا وحلما راود شارون وأولمرت عقب انسحاب إسرائيل من القطاع منذ سنتين، حيث عملت تل أبيب وواشنطن باستمرار على إضعاف سلطة محمود عباس. ولعل مسارعة الإسرائيليين والأميركيين أخيرا إلى تأكيد نيتهم تقديم مساعدة مالية لرئيس السلطة الفلسطينية، تجسد الرغبة الإسرائيلية في التخلص من قطاع غزة بعد أن بات تحت سيطرة حركة حماس.
وفى هذا الإطار قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني إن حكومتها تريد التوصل إلى اتفاق مع عباس ومع من أسمتهم الفلسطينيين المعتدلين. الفرحة الإسرائيلية لما جرى أخيرا فى غزة عبر عنها بوضوح تام أحد المحللين السياسيين الإسرائيليين بقوله «هذا كان حلم شارون وأولمرت»، مشيرا بهذا الصدد إلى سياسة مماثلة انتهجتها جنوب إفريقيا إبان نظام الفصل العنصري وقضت بإقامة معازل للسود.
ولعل السؤال الأهم الآن هو: ماذا سيفعل الفلسطينيون؟ وهل سيصرون على سياستهم التي لا تخدم إلا إسرائيل؟ البعض يرى فى عزم حكومة الطوارئ الفلسطينية منذ اجتماعها الأول على العمل من أجل تجسيد الوحدة الفلسطينية الجغرافية بين الضفة الغربية وقطع غزة، مؤشرا ولو صغيرا على وجود ضوء خافت فى نهاية النفق المظلم.
وإذا كانت إسرائيل تتحمل (ولو جزئيا) ما وقع فى غزة من خلال سعيها لتقويض الحكومة الفلسطينية المركزية وإبقاء الرئيس عباس فى وضع هش، فان مسؤولية إعادة الأوضاع إلى سابق عهدها تعود بالدرجة الأولى إلى الفلسطينيين أنفسهم سواء فى فتح أو حماس أو حتى الفصائل الصغيرة.
وإذا كانت شرم الشيخ ستشهد لقاءات بين أولمرت وعباس بمشاركة الرئيس مبارك والملك عبد الله الثاني، فان هذه اللقاءات تعد فرصة لسبر غور نوايا إسرائيل ومدى جديتها فى مساعدة الرئيس الفلسطيني على استعادة زمام الأمور خاصة أنها تملك الكثير من الأوراق التي تسهل على الفلسطينيين حياتهم اليومية. ولكن هل إسرائيل جادة فى تحقيق ذلك؟ الأيام وربما الساعات القليلة المقبلة كفيلة بالإجابة على هذا التساؤل.