حسن محمد الشحي، رجل تجاوز السبعين من العمر، وحيد بلا أقرباء فجميعهم قد توفوا واحداً تلو الآخر، أعزب، لم يتزوج، وطبيعي فهو بلا أبناء، وأكثر من ذلك فهو بلا مسكن، بلا عائل، بلا ماء وبلا كهرباء، وبلا أصدقاء، وحيد وحدة شنيعة قاتلة، فحتى بطاقة الشؤون الاجتماعية التي يتسلم بها مخصصاته الشهرية فقدها وبقي بلا دخل يتضور جوعاً في كوخ خشبي لا يمكن تخيل أن يعيش فيه إنسان طبيعي عيشة طبيعية في أي مكان فما بالنا أن يكون هذا المكان في دولة الإمارات!!

لا أقول بأن الفقراء معدومون في الإمارات، ولا أقول بأن الفقر عاهة اجتماعية علينا التبرؤ من وجودها عندنا أو أنها من عجائب الدنيا في الإمارات، لكنني حين قرأت قصة حسن محمد الشحي أحسست بغصة حقيقية ليس لأنه معدم فقط في بلد الخير والرخاء، ولكن لأنه وحيد، ويكاد يموت ببطء دون أن يشعر به أحد، ولوهلة قصيرة رسمت خطاً درامياً لقصة أو رواية متكاملة حوله بطلها هو والشاب فيصل عبدالله جاره الذي يعتني به بين وقت وآخر كلما سمحت ظروفه الدراسية والحياتية بذلك.

هكذا نشرت الزميلة «الإمارات اليوم» صباح أمس الجمعة حكاية حسن الشحي، واصفة حياته بالبدائية، وفي ظني أن البدائية ليست بسبب انعدام الكهرباء والسرير والحمام فقط، وإنما البدائية في مآل الرجل نفسه، البدائية في حالة التوحد والوحدة التي يجد الرجل نفسه فيها غارقاً في أحزانه متذكراً أيام شبابه حين كان فتيا يعمل في الحرس الخاص بإمارة دبي، لكنه فضل أن ينهي حياته مستقراً في مسقط رأسه برأس الخيمة..

إن المجتمع ليس مجموعة خدمات استهلاكية تقدمها الحكومة بجميع مؤسساتها للأفراد فقط، وإنما هو نظام حياة ونظام تكافل ونظام مراقبة، هناك أجهزة ومؤسسات مسؤولة حتماً عن هذه الفئة من الناس، هؤلاء الرجال أو النساء قدموا شبابهم وأعمارهم للخدمة العامة وأفنوا حياتهم مخلصين وأوفياء، وحين شارف العمر على الغروب بقوا أوفياء للمنازل الأولى بالرغم من ألفتهم لأمكنة أخرى، أجمل ربما وأكثر رحابة، هؤلاء من المعيب لكل المجتمع أن ينتهوا كما انتهى حسن الشحي فقيراً معدماً ووحيداً يموت ببطء!!

في بعض المجتمعات ينتهي الكبار إلى دور العجزة، وفي مجتمعات أخرى ينتهون على قارعة الطريق، وفي أخرى يموتون في بيوتهم وحيدين مرضى يقتلهم المرض وتحصدهم الوحدة ولا تكتشف وفياتهم إلا بعد زمن، لماذا نريد أن نصل إلى هذا الحال؟.

ayya-222@hotmail.com