تجرى الانتخابات التشريعية في فرنسا على دورتين يفصل بينهما أسبوع. كانت الدورة الأولى في الانتخابات الأخيرة يوم 11 يونيو الجاري. وشهدت فوز 109 من معسكر اليمين الحاكم (حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية والمتحالفين معه) مقابل نائب واحد من معسكر اليسار.
كانت كل التوقعات والتعليقات حول الدورة الثانية تصب في خانة القول إن الجمعية الوطنية الفرنسية الجديدة ستشهد «مدّا أزرق»، لون اليمين في فرنسا، بل وتحدث البعض عن «تسونامي» يميني. ولم تتوقع القراءات الأكثر «تشاؤما» بالنسبة لليمين أقل من 400 مقعد من أصل ال577 مقعدا التي تشكل مجموع مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية بينما جاورت توقعات المتفائلين الخمسمئة مقعد لهذا المعسكر.
الفرنسيون كذّبوا يوم الأحد الماضي 17 يونيو كل توقعات الخبراء والمحللين ومؤسسات استطلاع الرأي. ولم نر «تسونامي» يميني ولا من يحزنون، إذ حصل معسكر اليسار على 227 مقعدا بينما لم تكن أفضل التوقعات تمنحه أكثر من 100 مقعد إثر إعلان نتائج الدورة الانتخابية الأولى.
فما الذي جرى خلال الأسبوع الفاصل بين الدورتين؟ هناك أولا بعض الحقائق التي يمكن التأكيد عليها. الحقيقة الأولى هي أن الموجة العارمة التي بدأت مع انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا للجمهورية يوم 6 مايو الماضي قد شهدت بعض الانحسار للمرّة الأولى بعد انتخابه. وهذا أمر جيد للديمقراطية الفرنسية إذ ليس من علائم صحتها أن يسيطر أي «لون» واحد مهما كان. وأن «يسحق» الآخرين على صعيد ما يمثلونه.
ولا شك أن هيمنة «اللون الواحد» تطرح تساؤلات حول أحد أقدم الديمقراطيات في العالم. هذا لاسيما وأن دور البرلمان هو بالتعريف مراقبة الحكومة ومساءلة الوزراء وليس مجرد التصديق والتصفيق على شاكلة البرلمانات الجوفاء التي قد لا تتجاوز مهمتها رفع الأيدي... ثم إن القوة تعمي صاحبها ولا تجعله يرى سوى قوته... أو ربما أوهام قوته.
الحقيقة الثانية هي أن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، حزب الرئيس ساركوزي، يتمتع بالأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية الفرنسية الجديدة ويستطيع أن يمرر جميع القوانين التي يريدها، ولكن ضمن حدود. مسألة الحدود هذه في غاية الأهمية. إذ لا يمكنه مثلا أن يعدّل الدستور فهذا يتطلب موافقة نسبة من البرلمانيين لا يمتلكها. هذا يعني أن أي تغيير دستوري يتطلب طرحه على استفتاء شعبي، والاستفتاءات الشعبية غير مضمونة النتائج. كان واحد منها وراء استقالة الجنرال شارل ديغول من رئاسة الجمهورية عام 1969.
الرئيس نيكولا ساركوزي نفسه كان قد قال يوم 14 أبريل الماضي، كان مرشحا آنذاك: «ليس للبرلمان اليوم أي وزن كافٍ في مواجهة السلطة التنفيذية. وينبغي أن يستعيد سلطته. وإذا لم يفعل ذلك فما نفعه إذن؟ ألن يكون مجرد شكل بلا مضمون؟». لعل الرئيس ساركوزي كان يريد أن يعطيه «المضمون» الذي يريد وحسب «إيقاعه» الذاتي وليس أي إيقاع مفروض، مهما كان مصدر «الفرض».
ويبقى السؤال صحيحا: «أليس أي برلمان يسيطر عليه حزب واحد مجرد شكل بلا مضمون؟ لا يهم اسم الحزب، ولا يهم أن يكون في فرنسا أو روسيا. للتذكير عام 1981 حصل الاشتراكيون الفرنسيون على الأغلبية المطلقة من مقاعد الجمعية الوطنية إثر فوز فرانسوا ميتران بالرئاسة. تعالت يومها صيحات معسكر اليمين واستنفر محذرا من «الجراد الاشتراكي» الذي «يقضم» الأخضر واليابس.
الحقيقة الثالثة في انتخابات يوم الأحد الماضي هي أن الفرنسيين يخبئون «مفاجآت» غير منتظرة عبر صناديق الاقتراع وبحيث يبدو أن «وعيهم» يتجاوز أحياناً طبقتهم السياسية و«خبراء» الرأي العام. هكذا في عام 1995 كانت جميع استطلاعات الرأي تقول إن إدوار بالادور هو الرئيس القادم بعد ميتران بل بدت الانتخابات أنها مجرد عملية «شكلية» لتكريسه.
لكن الناخبين الفرنسيين قرروا شيئا آخر أثناء «خلوتهم» للاقتراع وأوصلوا جاك شيراك إلى الرئاسة وليس إدوار بالادور. وفي عام 2002 أخرجوا، على خلاف جميع التوقعات، ليونيل جوسبان من السباق الرئاسي في الدورة الانتخابية الأولى ودفعوا جان ماري لوبن مرشح اليمين المتطرّف إلى الدورة الثانية.
وفي انتخابات يوم الأحد الماضي بدت الأمور تجري مثل «المياه نزولا» نحو فوز ساحق لليمين. لكن ما أسفرت عنه هو فوز، إنّما «غير ساحق» لليمين. فوز مطلوب وضروري من أجل أن تستطيع الحكومة تنفيذ برامجها دون عائق وإنما «تحت رقابة» قوة معارضة لا يستهان بها.
هكذا وجّه الفرنسيون رسالة تحذيرية واضحة في مدلولاتها للحكومة. وإذا كان رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون قد تحدث قبل الدورة الانتخابية الأولى عن «انتصار تاريخي»، بل عن «ثورة» يمينية،فإنّه عاد وعدّل موقفه بعد الدورة الثانية وقال: «إن نجاح البعض لا يعني فشل الآخرين». لقد أراد أن يقول للرأي العام الفرنسي أنه «فهم الرسالة».
الحقيقة الرابعة، وربما من أهم المنجزات «الديمقراطية» في هذه الانتخابات أنها أوصلت 107 نساء إلى الجمعية الوطنية من أصل 577 نائبا مقابل 76 في الجمعية السابقة. هكذا قفزت فرنسا من المرتبة 86 بين الدول تبعا للمشاركة النسائية البرلمانية فيها إلى المرتبة 58. للعلم تقع هذه المرتبة الجديدة بين مرتبتي فنزويلا ونيكاراغوا. وللتذكير حصلت المرأة الفرنسية على حق الاقتراع والترشيح عام 1945.
وللانتخابات التشريعية الأخيرة أيضا رابحوها وخاسروها. الخاسر الأكبر هو «فرانسوا بايرو» رئيس حزب «الحركة الديمقراطية» الوسطى. كان بايرو قد حصل على نسبة تقارب 19% من أصوات الناخبين في الدورة الانتخابية الرئاسية الأولى، أي ما يعادل حوالي 7 ملايين ناخب.
وبدا في دور «صانع الرؤساء» بين الدورتين. لكن «موسمه» انتهى مع انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا للجمهورية. ولم يحصل حزبه سوى على 4 مقاعد في الجمعية الوطنية الفرنسية الجديدة. لقد تقلّص هامشه وانكمش. لكن لا شيء يسمح بالقول أن هذا حكما نهائيا فهو يمثل تيارا حقيقيا همّشته ظروف المرحلة وقواعد النظام الانتخابي المطبق.
هناك خاسر كبير آخر هو «آلان جوبيه»، رئيس وزراء فرنسا الأسبق، وأحد أبرز الشخصيات في عهد جاك شيراك. كان جوبيه قد أقصي «قضائيا» عن الحياة السياسية والترشيح لعدة سنوات. وعندما عاد من منفاه «الاختياري» في كندا حيث مارس مهنة التدريس الجامعي، لاستئناف نشاطه السياسي من جديد جرى تعيينه وزير دولة لشؤون البيئة والتنمية المستدامة، واحتل مرتبة الرجل الثاني في حكومة فرانسوا فيون.
ترشح للانتخابات التشريعية الأخيرة في إحدى دوائر مدينة بوردو ـ هو رئيس بلدية المدينة أيضا ـ فخسر المقعد النيابي وكرسي الوزارة معه حسب قواعد اللعبة المتفق عليها باستقالة كل وزير يرشح نفسه ولا يفوز. كذلك خسرت حكومة فيون إحدى ركائزها الأساسية. لكن الجميع احترموا قواعد اللعبة علة الأقل.
أمّا المستفيد الأكبر من «الدينامية» التي شهدها الأسبوع الذي فصل بين الدورتين الانتخابيتين فكان الحزب الاشتراكي الذي حصل، أمام ذهول الجميع، على 205 مقاعد مقابل 141 في الجمعية السابقة وحصل الشيوعيون على 18 مقعدا والخضر على 4 مقاعد. لقد «تقدّم» الحزب الاشتراكي لكنه ظل في المعسكر المهزوم على أساس حسابات الأغلبية والأقلية.
الاشتراكيون استفادوا دون شك من «الخطيئة الكبرى» التي اقترفها الفريق الحاكم عندما طرح بين الدورتين «الضريبة الاجتماعية» لرفد موازنة صندوق الضمان الاجتماعي والصحي. وهي ضريبة جرى «رفعها» عن المؤسسات والعاملين كي يتم فرضها على المواطنين جميعا، بما في ذلك الأكثر فقرا.
وهناك «خطايا» أخرى على نفس الأرضية الاجتماعية وليس أقلها عدم رفع الحد الأدنى للأجور. ويعني ذلك الذهاب في «الاتجاه المعاكس» لوعود الحملة الانتخابية الرئاسية. المسألة الاجتماعية تبقى، مهما قيل، هي خط الجبهة الحقيقي بين اليمين واليسار.
اليمين واليسار موجودان في فرنسا مند الثورة الفرنسية الكبرى عام1789. يمين يحكم «غالبا» ويسار يعارض «إلا في بعض الاستثناءات النادرة». ورأي عام له وزنه في تحديد التوجهات السياسية وأحيانا في تحديد «إيقاعها». وبهذا المعنى كانت انتخابات الأحد الماضي رسالة واضحة... وبليغة. وكان الرابح الأكبر هو الديمقراطية نفسها.
كاتب سوري
