من يقبل ويرضى بما نراه على الساحة الفلسطينية الآن؟ المشهد يثير الأسى والحزن والحسرة على ما لحق بقضية فلسطين التي ستظل مهما تباينت الآراء وتعددت المواقف، قضية العرب الأولى.

نقول بكل صراحة ووضوح.. اذا سلمنا بأن أحد الطرفين أخطأ، فالانحياز لطرف على حساب آخر في ظل الظروف القاسية التي يعيشها شعبنا الصامد المثابر سواء في غزة أو الضفة الغربية، لا يضمد الجراح الفلسطينية بل يزيد من آلامها. حتى ولو كان خطأ أحد الطرفين جسيماً.

ونقول أيضا وبكل صراحة، إن الإفراط في تبادل الاتهامات بين الفصائل. يؤجج نيران الفتنة ويجعل من الصعب إخمادها. سمعنا أن «فتح» اتهمت «حماس» بأنها خططت لاغتيال الرئيس الفلسطيني محمود عباس بواسطة نفق بغزة.

وسمعنا أيضا عن خمس محاولات من جانب «حماس» لاغتيال القيادي البارز في حركة «فتح» محمد دحلان. وطبيعي أن ينفي من توجه اليه الاتهامات ما يقال عنه. ولكن استمرار إطلاق القذائف الكلامية بين الطرفين، يشعل لهيب النيران في الشارع الفلسطيني.

ونقول أيضاً وبكل صراحة، ان تشبث المتصارعين بمواقفهما، حتى بات المشهد وكأنهما عدوان لدودان، ينذر بان بركان الفتنة قد ينفجر من جديد. والخاسر الأكبر هو شعبنا المثابر في الأرض المغتصبة. ان بقاء الوضع على ما هو عليه، أشبه بحالة هدنة مؤقتة. وهذا ما لا يقبله أي مواطن فلسطيني أو عربي.

غير مقبول أن يقال إن غزة في قبضة «حماس» والضفة الغربية بين يدي «فتح». كلاهما كيان واحد.. وجسد واحد. وغير مقبول أن يتردد على الألسنة أن هناك حكومتين فلسطينيتين. لمصلحة من هذا التمزق؟ فلسطين بعد أن كانت تئن من وطأة الاحتلال الإسرائيلي - المتخصص في ممارسة إرهاب الدولة وارتكاب جرائم حرب بلا رادع- صار شعبها يكتوي بنيران الصراع بين أشقاء النضال والكفاح من اجل تحرير الأرض الذين بات يطلق عليهم الآن «الإخوة الأعداء».

لابد من البحث عن مخرج. لا بد أن تلين المواقف. لابد من لملمة الجراح. لابد أن يلتقي الجميع على قلب رجل واحد. لابد أن يتدخل حكماء الأمة لجمع شمل أبناء الوطن الواحد المغتصب. ونسأل.. هل تحركت لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الاجتماع الوزاري العربي الأسبوع الماضي ، للوصول الى الحقيقة الغائبة عن الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي الذي لا تنقل اليه سوى اتهامات المتصارعين ومزاعم التقارير الصحفية التي يبثها الإعلام، وخاصة الإعلام الإسرائيلي الذي يصطاد الآن في الماء العكر؟

ان إسرائيل هي الرابح الأكبر مما يجري الآن. ومن السذاجة أن نظن أنها تسعى لمناصرة طرف على آخر. ما يهمها هو تأجيج الصراع الأخوي لاستنزاف طاقة وقوة الصفوة الفلسطينية. ندعو حكماء فلسطين من الفصائل التي لم تتورط في أحداث غزة، ان تمد يدها للأشقاء من أجل المصالحة وحتى تعود المياه الى مجاريها.

فلسطين.. الأم التي تئن من وطأة الاحتلال الإسرائيلي وصراع الأشقاء، زاخرة بجيش من المفكرين والمثقفين والقيادات الوطنية المستقلة التي تتمتع بالشفافية والنزاهة الوطنية. على مثل هؤلاء أن يطلقوا صيحة المصالحة لإنقاذ الوطن المغتصب من التمزق.

لقد أطلق المناضل الفلسطيني فاروق قدومي أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صيحة وطنية بالأمس، اذ طالب جامعة الدول العربية ومصر والسعودية والأردن وسوريا بممارسة الضغوط على حركتي فتح وحماس لجمعهما على طاولة حوار واحدة بهدف الخروج بوفاق وطني يتضمن تصورا مستقبليا للعلاقات بينهما، فهل من مجيب لهذه الدعوة؟ لا تتركوا الجرح الفلسطيني ينزف. وكفانا نكبات تلو نكبات.