استبشروا أيها العرب، فالرئيس الأميركي جورج بوش يريد أن تقوم دولة فلسطينية خلال فترة رئاسته، كما نقل عنه الناطق الحصري باسمه في المنطقة ايهود أولمرت.
وحسب معلوماتنا، فإن الولاية الثانية للرئيس بوش تنتهي صبيحة العشرين من كانون الثاني من العام 2009، وبلغة الأرقام، لم يبق من الوقت إلا سنة وسبعة أشهر فقط لا غير، لإقامة هذه الدولة الموعودة.
لكن أولمرت لم يدخل في التفصيلات، ولم يشرح لنا وللعالم كيف يمكن انجاز هذا الهدف في هذه الفترة الزمنية القصيرة، في حين لم ينجز في أكثر من خمس عشرة سنة.
لم يقل أولمرت وبوش كيف سيكون شكل هذه الدولة الفلسطينية، وهل ستقام على جزء من الضفة الغربية تقطعه طولاً وعرضاً الطرق الالتفافية والمستعمرات التي يسمونها «المستوطنات» وتنتشر في أرجاء هذه «الدويلة» وتخومها، دوريات الجيش وحواجز التفتيش.
لم يقل لنا أحد مصير القدس، وما عاصمة هذه «الدويلة»، هل هي ر ام الله أم أبو ديس أم نابلس أم أي مكان آخر غير القدس التي يقول جميع الإسرائيليين إنها «العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل»!
هل ستكون الدولة الفلسطينية التي يعد بوش بإقامتها حرة مستقلة ذات سيادة، لها جيشها وقوات للأمن ووزارات ومؤسسات واقتصاد حر، أم ستظل مرتبطة بشرايين مع إسرائيل تقطعها متى تشاء، وتحت أي ذريعة واهية؟
وهل ستكون هذه الدويلة، أو الدولة، في الضفة فقط، أم في الضفة والقطاع معاً؟ وماذا عن الربط بين شطري هذه الدولة، هل عبر الممرات الأرضية اللآمنة !! أم عبر خطوط جوية أو ربما هاتفية؟هل ستمثل الدولة الموعودة كل الفلسطينيين ـ في الداخل أولاً ـ على قدم المساواة، أم على قاعدة المثل العامي «خيار وفقّوس» كما هو حاصل هذه الأيام، بحيث يكون التعامل الإسرائيلي ـ الأميركي ـ الدولي مع طرف دون آخر، والأخطر أن يظل هذا «الطرف الآخر» تحت السيف الإسرائيلي، وتحت العدوان اليومي، والإرهاب والقتل على مدار الساعة بغطاء أميركي ـ غربي، وربما ما هو أكثر، وفهمكم كفاية!!
.. وماذا عن حق العودة الذي ضمنه القرار الدولي الأشهر 194؟ هل سيحسم «الكبار» في عالم اليوم هذا الموضوع الشائك عبر التوطين أو التعويض، وهل كل كنوز الدنيا تعوض الإنسان عن وطنه؟
وهل سيعترف العالم الغربي المتحضر بخيارات الشعب الفلسطيني الديمقراطية، أم سيكون الحصار والتجويع «مكافأة» هذا العالم لذلك الخيار، كما هو حاصل اليوم، بحيث يصبح الشعب الفلسطيني إرهابياً لأنه انتخب من تضعه إدارة واشنطن على قائمة الإرهاب المصنعة خصيصاً للدول والقوى والأحزاب التي انتهجت خيار المقاومة من أجل الحرية والاستقلال، ورفضت ـ وترفض ـ الإملاءات والضغوط والتهديدات الأميركية؟
أسئلة كثيرة يجب أن يسمع الشعب الفلسطيني أولاً أجوبة مباشرة وواضحة عليها، لأن «الكلام ببلاش» وقد سمعنا من بوش سابقاً كلاماً مشابهاً عن نيته إقامة الدولة الفلسطينية، ولكن ظل الكلام كلاماً دون تطبيقات لسببين: الأول لأنه لا يستند إلى معرفة حقيقية بالواقع في المنطقة والاعتماد على معلومات إسرائيلية وأفكار تلمودية يؤمن بها بوش والمحافظون الجدد، والثاني عدم الجدية في الطرح، يضاف إلى ذلك أن ما يطرحه السيد بوش لا يمكنه أن يلبي تطلعات وطموحات الشعب الفلسطيني الوطنية.
أخيراً في هذا الصدد، لم يقل لنا المستر بوش والناطق الرسمي بلسانه أولمرت، ما إذا كانت الدولة الموعودة، ستقام مع الحصار، أو من دون حصار؟ مع التوافق الفلسطيني ـ الفلسطيني، أم على قاعدة الفوضى واقتتال الإخوة وتغليب فريق على آخر، وتمكين طرف دون آخر من السيطرة حتى لو لم يكن الأساس قانونياً وديمقراطياً.
تعلمنا من تجربة الإدارات الأميركية المتعاقبة أن تنحاز الولايات المتحدة إلى دول فاشستية إرهابية، خاصة في أميركا اللاتينية، وتغتال أي تجربة ديمقراطية حقيقية، في الأرجنتين والتشيلي وجمهوريات الموز على وجه الخصوص، لذا ليس غريباً أن تحارب هذه الإدارة الأكثر عنفاً في التاريخ الأميركي، التجربة الديمقراطية الفلسطينية، وتسعى لإقامة دويلة منزوعة السيادة والسلاح تكون على مقاس أطماع إسرائيل وحلمها التوراتي.
استبشروا أيها العرب: الدويلة قادمة لا محالة ، لا يهم أكانت على جثامين الشهداء ودماء الضحايا وأحلام شعب تتبخر يوماً بعد آخر، المهم أن تكون هناك دويلة على جزء من الأرض يتسع لكرسي أو مجموعة كراسي، ويبحث شعب فلسطين عن وطن جديد، في الأرض أو في الكواكب البعيدة.
لا أحد يقف ضد دولة فلسطينية قوية قادرة لكل أبنائها، لكن لا تستبشروا، لأن الإدارة الأميركية لا تبحث عن دولة حقيقية وإنما عما يرضي حليفها الإسرائيلي فقط، والمصيبة الكبرى أن نصدق خديعة بوش ـ أولمرت، والمصيبة الأعظم أن نروج لها، ونعطي صك براءة للقاتل وأن نسهم في المخطط الشيطاني ونسلم إسرائيل والولايات المتحدة بعضاً من الشعب الفلسطيني باعتباره إرهابياً، ونسلم لهما كل القضية الفلسطينية وكل الحقوق تحت كذبة خطيرة سموها «الدولة الفلسطينية».
