يكثر أطباء التشخيص للأمراض السياسية الكويتية المزمنة، وهم الذين يكتبون ويعلقون، وهم المتحدثون في الدواوين، وهم الذين يتسامرون في النكات السياسية وهم الذين يتبادلون الأخبار في جهاز التليفون، كل بطريقته، وفوق التشخيص يميل البعض نحو اختيار وصفة العلاج، البعض يريد الاستقالة الفورية للوزير، والبعض لا يريدها قبل المنصة.
وآخرون يرونها متأخرة، وناس لا يصدقون ما يدور من هذا الاشتباك المستمر بين الحكومة والبرلمان أو من تبادل التهم بين بعض الكتل داخل البرلمان، إلى أن وصلت الحالة إلى التذمر والكفر بالممارسات والبحث عن علاج للداء الذي جمد الكويت وشل حركتها للأمام وأخرجها من الريادة إلى الاكتفاء بالترميم المؤقت.
والحقيقة أن الكويت في محنة سببها النظام السياسي الذي جسده الدستور، فأعضاء المجلس يستمتعون برحلة برلمانية مدتها أربع سنوات فيها الإغداق وفيها التقدير والمجاملة والترحيب والعطاء وفيها المكانة التي لا يحلم بها الكثيرون مع امتيازات تتعدى الحقوق البرلمانية إلى استلاب حقوق السلطة التنفيذية وإحلال دور البرلمان مكان الحكومة، مع مساحة واسعة من الإعلام والندوات والجلوس المستمر في الأضواء.. من يتخلى عن هذه الأفراح التي يجلبها الحظ الطيب في منافسات لها طابع خاص.
ونود إبداء بعض الملاحظات:
أولاً: يتحدث صديقنا عبدالرحمن الراشد في عموده - يوم الاثنين 11 يونيو 2007، يتساءل أين العلة؟، والعلة كما يقول واضحة وهي المسألة البرلمانية الكويتية، أي في الدستور، ويعني بالبساطة المباشرة - التركيبة الدستورية الكويتية لم تأخذ العناصر التي تؤسس الاستقرار في النظام البرلماني.
أخذت الانتخابات وحرية التعبير، لكنها تجاهلت قلب الديمقراطية وصمام أمنها وحامي مسيرتها، وهو النظام الحزبي الانتخابي الذي تطرح فيه الأحزاب البرامج الوطنية التي هي وثيقة العمل التي يقدمها الحزب أمام الناخبين ويغريهم بالتصويت له، ويبحث عنهم في النوادي والشوارع ومراكز التجمعات البشرية، ويعطيهم العهد ويقدم لهم صورة جذابة ومثيرة عن المستقبل إذا ما صوتوا له.
يقدم الحزب وثيقة الحكم التي فيها الشأن الخارجي والأمني الداخلي، وكل مسارات الحكم الراشد. وثيقة الحكم هي العقد بين الناخب والحزب، فإذا التزم الحزب بمضمونها عند الفوز حافظ على تأييد ناخبيه، ويتعرض للاهتزاز إذا انحسرت عنه ثقة الناخب.
في الكويت أفراد يتقدمون بقواعد قبلية، وعلى أساس برنامج انتخابي قبلي وهي وثيقة الناخب بقبيلته، والوثيقة توفير الخدمات للأهل وأبناء العم والخوال أهل القبيلة، والبيعة تتم على وفائه لوثيقة القبيلة الانتخابية.
وعادة لا تتضمن الوثيقة مسارات سياسية وأمنية، وإنما يتجلى فيها النهج الخدماتي الذي يأخذ النائب إلى ممرات الوزارات والهيئات بحثاً عن تنفيذ شروط الوثيقة، ووسائل التنفيذ هي اللطافة في الطلب، والتلاطف في الأجواء والأخوية في التعامل، ولا يقف عند هذا التلاطف صرامة القانون ولا تسيده، وإذا ما تعلل الوزير بالقانون، فتتلاطم أمواج السخط وتبدأ حركة الاستجواب بالتصاعد، مع تجنيد الأعضاء المحبين وحشد المتآخين.
خرج الشيخ أحمد عبدالله الأحمد لأنه أظهر صرامة القانون، ويتحدثون عن معصومة مبارك لأنها تبحث عن آليات لفرض القانون. وآخرون هبوا ضد الشيخ علي الجراح، وزير النفط، متجاوزين سعيه في التهدئة بالاعتذار، لأن الشيخ علي الجراح سهل الصيد في ساحة يتم البحث فيها عن صيد أكبر.
ثانياً: هل معقول أن يتم انتخاب خمسين شخصاً بدعوة دستورية رسمية للمعارضة؟ ودعوة شعبية صارخة لتوفير ممارسة خدماتية، لا يهم مدى تطابقها مع القانون ومع هيبة الضوابط والنظام، وأين الدستور في العالم الذي يفتح الباب واسعاً أمام خمسين عضواً لاستخراج أي ملف يستهوي العضو ليحتج ويعارض ويهدد؟.
الديمقراطية هي حزب حاكم ومعارضة تسعى لأخذ مكانه، وحزب له أغلبية طاغية يشرع وينفذ ويدير البلد وفق وثيقة الانتخابات. وتسقط الحكومات لأنها بلا أغلبية، وتبحث عن مجموعة وائتلاف، (حكومة إيطاليا الآن لها أغلبية صوتين، ستسقط في القريب العاجل).
والدستور لا يعطي الوزير غطاء، ولا يحميه من تصويبات الأعضاء ولا يقيه من لذعة الندوات، ولم يكن كريماً مع الحكومة في مناصرتها لوزيرها، فلا تصوت عند طرح الثقة، وهو أمر لا يتم في البرلمانات، ولا تجلس الحكومة الكويتية على قاعدة الأغلبية البرلمانية.
الخلل البنيوي أدخل الكويت في محنة.. وكيف تجاوزها؟
ثالثا: لا بد من علاج، وهنا نكون واضحين أمام إطلاق الأحزاب والسماح بتشكيلها، يفوز فيها من توفرت له الأغلبية البرلمانية ويشكل حكومة الأغلبية، وندعو نظام الكويت أن يؤسس النظام السياسي الكويتي ـ حزبه ـ ويطرح برنامجه ويوظف إمكاناته للنجاح.
وإذا تعذر هذا المقترح، لننظر لتجربة الأردن - حيث البرلمان بأحزابه ورئيس الوزراء من السياسيين الأردنيين الذين يمتلئ به الصالون السياسي الأردني، ويظل الملك المرجعية السياسية والأمنية والشرعية للبلد، والملك هو الذي يضع الإطار العام لبرنامج الحكومة.
وقد حافظ النظام الملكي الأردني على سطوته بعيداً عن المشاحنات السياسية البرلمانية وبعيداً عن شرار الخلافات، وفوق كل الأحزاب والهيئات. وعلينا في الكويت أن ندرك بأنه لا يوجد في النظام الديمقراطي فصل الصلاحيات والسلطات.
وكلها تذهب للحزب الحاكم فهو مشرع ومنفذ ومدير، ومن الحزب الحاكم يأتي رئيس البرلمان، ويأتي رؤساء القطاعات ويأتي مساعد الرئيس، المعارضة هي معارضة تنتقد وتطرح الثقة وتلتمس الدعم الجماهيري، لكن الهم الأكبر هو إسقاط الحكومة المنتخبة، التي إذا فقدت الثقة تدخل في انتخابات جديدة يفوز بها من يفوز.
لا يوجد شيء في بريطانيا أو فرنسا اسمه فصل السلطات، الحكومة ليست الجهة التي تنفذ ما يريده البرلمان، هي التي تقود وتطرح التشريعات وتفوز بهذه التشريعات لأنها الأغلبية. لا يمكن أن نستمر في شيء اسمه الانتقائية في المنظومة الديمقراطية الكويتية، فالديمقراطية هيكل متكامل، وبنيان واحد، إذا ما استبعد مفصل منه، سقط واندثر.
ليس الشيخ علي الجراح آخر واحد، ولن يكون الذي بعده آخر واحد، وكل ما نعمله الآن هو تأجيل المحتوم وقد نكره الأحزاب ونعرف ماهيتها وجروحها. قرأنا ذلك في أحزاب الدول التي كان لها برلمان مثل مصر، كانت أحزابها قوية لكنها تجاهلت هموم الناس مفضلة هموم الحكم، وفي سوريا لا يختلف الوضع، وترتفع الانجازات الحزبية عندما تتوفر قيادات مؤهلة ورجال دولة على رأس المسؤولية.
رأينا القوة في مسز تاتشر وفي المستر بلير، وفي ميتران وشيراك، والضعف في إيدن وميجور. وبإيجاز، لا يمكن لحكومة بلا أغلبية أن تدوم، ولا يمكن لوزير فيها أن يتخلص من السهام التي يطلقها المعارضون، ومطلوب من الكويت هو إتاحة المناقشة الشعبية الواسعة في البحث عن آلية تعطي الحكومة الاستمرار وتؤهلها لأن تحكم وتمنحها الصلاحيات التشريعية والتنفيذية..
كتب د. أحمد بشارة في سعيه للمعالجة، وهناك آراء واجتهادات لا بد أن تخرج من القرار الشعبي المقتنع، لأن البرلمان لا يمكن أن يجيز لغيره أن يسلب منه امتيازات لا يتمتع بها إلا أصحاب الحظ السعيد.
كاتب كويتي