من منا لا يحلم بزيارة ارض الكنانة؟ ومن لا يحب العودة لمصر ممن زارها من قبل ليشرب من نيلها ثانية؟ مصر قلب الوطن العربي والنسر الذي يفرد جناحيه ليستظل بظلهما طرفا الوطن العربي الإفريقي والآسيوي. وهي على مدار التاريخ وعبر حضارتها الممتدة لأكثر من خمسة آلاف عام قدمت للعالم الثقافة والمعرفة والتي مازالت ماثلة حتى الآن أمام أعين الكل وشهد لها الأعداء قبل الأصدقاء.

على أرض مصر تكسرت موجات الغزو الأجنبي الواحدة تلو الأخرى ورحل الغزاة مدحورين وبقيت يقظة لأي متربص او حاقد. هكذا هي دائما مصر الأهرامات وأبوالهول ومصر العروبة والأزهر، مصر قاهرة قوى الظلام ومصر النيل والسد العالي ومصانع النسيج والحديد والصلب، مصر الفلاحين البسطاء وبهية أم طرحة وجلابية ناصعة كقلوب ابنائها وكقطن ريفها.

نسوق هذا الكلام والقلب يعتصر على حال مصر اليوم فمن قائدة للقاطرة العربية والعالم الثالث وحركة عدم الانحياز وخط الدفاع الاول في وجه الكيان الصهيوني وفكره التوسعي العنصري العدواني. فلسطين رئة مصر وحاميتها من الشرق فجيوش مصر وقفت في وجه الغزاة الهكسوس وكل معتد من الشرق.

كما طاردت جيوشها الملتحمة مع الجيوش العربية الأخرى في الشمال الصليبين والتتار في حطين وعين جالوت على ارض فلسطين وانتصرت عليهما فروت الدماء العربية المصرية تلك الأرض مرارا بعد ذلك من عام 1948 حتى يومنا هذا.

وعندما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965 احتضنتها ارض الكنانة بكل قوة وساندتها في كل المحافل العربية والدولية وما كان للثورة الفلسطينية ان يتعاظم دورها لولا تبني الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لها ومؤازرتها وتقديم التضحيات من اجلها حتى دفع ناصر حياته ثمنا للهم الفلسطيني والجرح النازف عام 1970في الأردن.

لكن اليوم نشهد انقلابا في الموقف المصري ومناصرة لطرف ضد الآخر وإغلاق المعابر في وجه من لا تريد وفتحها أمام من تريد واعلن على لسان وزير الخارجية احمد أبو الغيط سحب ممثلتها الدبلوماسية من غزة إلى رام الله ومساندة شرعية السلطة وعدم الاعتراف بشرعية المجلس التشريعي المنتخب انتخابا ديمقراطيا ونزيها من أبناء الشعب العربي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كنا نأمل ان يستمر الدور المصري بممارسة مهمة الوساطة النزيهة لنزع فتيل الحرب بين اخوة السلاح في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة عام 1967 لا الانحياز لطرف معين وتحميله وحده مسؤولية ما حدث في غزة فالشرعية لا تتجزأ كما ان الحقوق والحريات لا تتجزأ أيضا.

خصوصا وان الوزير عمر سليمان حمل بعض الأطراف التي لجأت من غزة إلى رام الله مسؤولية ما حدث فيها وعدم التزامه بما توصل اليه فريق الوساطة المصري من اتفاقيات لنزع فتيل الخلاف في البيت الفلسطيني الواحد. فلسطين شأن مصري تماما كما أن مصر شأن عربي فإذا صلح القلب المصري صلحت بقية الأطراف العربية وإذا هبت الرياح العربية الطيبة من الشرق تنسمت مصر هذه الرياح وفتحت لها كل الأبواب.

انهضي يا مصر في وجه الهكسوس الجدد أعداء الأمة العربية والطارئين عليها ولا تسمحي لأصابع الفتنة «الإسرائيلية والأميركية» بان تعبث بالأقدار العربية، فنساؤك ولادة للقادة الذين لهم القدرة على رفع الراية عالية كما رفع جنودها العلم فوق القناة وارض سيناء عام 1973.

هذا أملنا فيك دائما وفي أبنائك لتجاوز العثرات والكبوات لتبقي يا «مصر المحروسة» كما عهدناك الحاضنة والحامية لكل العرب من المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا. فلا احد يستطيع شغر مكانك ولا ملء مقعدك ولا لبس عباءتك فهي عليه واسعة. مصر انا نحبك حب ابنائك لك، فان لنا فيك نسبا وصهرا كما اخبرنا وأمرنا بحبك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

musaabueid@hotmail.com