تشكيل الحكومة الفرنسية الجديدة يعتبر ثورة بكل المقاييس، وعبارة ثورة استعملتها صحيفة «الاندبندنت» اللندنية وأطلقها كاتب افتتاحية اليومية الباريسية لو فيجارو لوصف تعيين الدكتور برنار كوشنار وزيرا للخارجية. وهي ثورة بحق تؤكد ذكاء أو دهاء الرئيس الفرنسي المنتخب نيكولا ساركوزي وثقته بنفسه وتؤشر أيضا على التغيير المذهل الذي بدأ يهز أركان السياسة الفرنسية بدخول الجيل الجديد إلى قصر الاليزيه.

وفي الحقيقة أشعر بأن هذا التعيين يعنيني مباشرة لسبب شخصي ولسبب كوني عربيا وأعيش في باريس: السبب الشخصي هو أن برنار كوشنار راسلني برسالة كتبها بخط يده حينما أهديته نسخة من كتابي الصادر بباريس عن مؤسسة الفكر العالمي بعنوان (الإسلام والغرب، صراع الألف سنة من الحروب الصليبية إلى حرب الخليج).

وكان مع وزير التربية والتعليم الفيلسوف لوك فيري وهما الوزيران الوحيدان اللذان طالعا كتابي المتواضع بدقة وصبر واهتما بمحاوره التي تمس أحداث الساعة وتنير العلاقات التاريخية بين الإسلام والغرب، ووصلتني من هذين الوزيرين رسالتان كريمتان بخط اليد لمناقشة محتوى الكتاب والحرص على متابعة الحوار معي.

وهو ما شرفني وشجعني على التواصل مع برنار كوشنار، لأن أحد همومه الكبرى كان في ذلك التاريخ إدراج مبدأ حق التدخل في شؤون الدول لأسباب إنسانية ضمن ميثاق منظمة الأمم المتحدة وقد شرح لي تلك النظرية وطلب مني كأحد المساهمين العرب في إنارة الرأي العام أن أناضل من أجلها في عالم يهيمن القوي فيه على الضعيف وترزح فيه شعوب تحت وطأة الجوع والعراء والتهجير من جراء الحروب الأهلية والأزمات الإقليمية.

وبالفعل تحقق هذا الحلم لكوشنار بفضل إرادة حديدية صامدة وبفضل انخراطه الشخصي منذ 1968 في العمل الإنساني الميداني الذي نطلق عليه نحن وصف العمل الخيري. فالدكتور برنار كوشنار طبيب استشاري في أمراض الجهاز الهضمي، لكنه بدأ منذ ثورة مايو 1968 في باريس بتوظيف الطب لخدمة أحوج الناس إليه، فرحل إلى بيافرا بإفريقيا، وشارك في إنقاذ ضحايا الحرب الأهلية التي عصفت بذلك الإقليم.

ثم أسس منظمة أطباء بلا حدود عام 1971 وهي التي اشتهرت في مناطق العالم الأكثر فقرا والأقل أمنا، وساهمت بقيادة كوشنار في نجدة الهاربين من فيتنام في قوارب الموت. وواصل الدكتور المناضل تلك المسيرة بإمكانات متواضعة وقوة معنوية، وأصبح اسم (الفرانش دكتور) مقترنا بهمة ذلك الرجل وكفاحه.

ومنذ عام 1993 دخل المعترك السياسي وانخرط في أحزاب اليسار والوسط، لكنه احتفظ باستقلالية مواقفه، وناضل من أجل فرض حق التدخل بالقوة في البلقان لإنقاذ مسلمي كوسوفو، واختاره الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في يوليو 1999 ليكون هو الحاكم الأممي لكوسوفو في مهمة عسيرة تحت قنابل الصرب وهجومات الكروات.

وأثبت الدكتور كوشنار بأنه رجل الموقف حيث أعطى المثل للعاملين حوله بالنزول إلى الميدان ومواجهة التحديات إلى أن استقامت شؤون كوسوفو في يناير 2001. ومع الأسف لم ينجح بعد ذلك كوشنار في الحصول على منصب المندوب السامي للاجئين ولا منصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، وهما فرعان من فروع الأمم المتحدة.

فالرجل لا يجيد نسج شبكات العلاقات ولوبيات التأثير، وقد ظل يجمع بين الجرأة في الرأي والتلقائية في التعبير، وهما طبعان لا يجلبان الأصوات. وفي يناير عام 2003 أعلن موقفه من الحرب على العراق فقال كلمته الشهيرة: لا صدام ولا الحرب. وعلى الصعيد الداخلي الفرنسي، أعلن بأنه لا يتردد في العمل في أية حكومة وفاق وطني بلا حدود ايديولوجية بين يمين ويسار.

اليوم يحمله الرئيس ساركوزي أمانة وزارة الخارجية في حكومة وفاق وانفتاح، وهو وزير الخارجية الذي لا يوافق رئيس الجمهورية على عدة مسائل جوهرية منها انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي الذي يرفضه ساركوزي ويسانده كوشنار. وأعتقد أن ما يجمع بين الرجلين هو موقفهما المشترك لوضع مبدأ حقوق الإنسان في قلب العمل الدبلوماسي، حسب تعبير ساركوزي في خطاب تتويجه وحسب تعبير كوشنار في حفل استلام مهامه، وهو اللقاء الأكبر مع وزيره الجديد للخارجية.

ولا بد أن يكون الرأي العام اطلع على التحفظات غير الرسمية للأوساط الإسرائيلية من تعيين كوشنار على رأس الدبلوماسية الفرنسية، حين بدأت تتنفس الصعداء من إلغاء السياسة العربية لباريس، وهذه التحفظات حفلت بها مواقع الكترونية إسرائيلية متطرفة، كانت لأصحابها توقعات مختلفة.

ونحن العرب من حقنا التفاؤل بقدوم رجل مبادئ وقيم لوزارة لها تأثير مباشر على ترجيح كفة العدل والتوازن والحق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ضد الانفراد الأطلسي بالقرار الذي وصل إلى طريق مسدودة.

alqadidi@hotmail.com