مما لاشك فيه أن أهمية العراق بالنسبة للمصالح الروسية في المنطقة لم تتراجع، ولم يتقلص موقعها في اعمال الدبلوماسية الروسية، كما هو عليه الحال بالنسبة لبقية الدول التي ارتبطت بمصالح وعلاقات تعاون مثمر مع العراق على مدار سنوات طويلة.
ومما لاشك فيه أيضاً أن سيطرة الأميركيين على العراق صيف عام 2003 وحتى الآن لم تؤد لأن تنسى أو تسقط هذه الدول بما فيها روسيا علاقات التعاون مع العراق من جدول أعمالها، خاصة بعد أن كشفت تطورات الأحداث في بلاد الرافدين عن فشل الحكومتين الأميركية والبريطانية في تقييم الوضع السياسي والاجتماعي في العراق، ما أدى لتدمير العديد من البنى التحتية في هذا البلد بسبب إصرار واشنطن على تطبيق سياسات محددة.
والحقائق تكشف أن المجتمع العراقي قد تمزق بسبب هذه السياسات القصيرة النظر، حيث تعانى البلاد من حروب أهلية، وقد انقسمت إلى عدة مناطق أو دويلات تسيطر عليها جماعات دينية واثنية محددة، إضافة لتواجد تنظيم القاعدة في العراق، وهو ما أدى لانهيار الأوضاع الأمنية وفشل السلطات في إحلال الأمن والاستقرار، ويبدو واضحا أن تحقيق الأمن في العراق يحتاج إلى سنوات طويلة، في حال توفر ظروف وشروط معينة بعضها غير محقق حتى الآن.
وترفض واشنطن الاقتناع برؤية موسكو للملف العراقي، والتي ترى أن أي دولة إقليمية من دول الجوار ستكون اقدر على التأثير على تطورات الوضع في العراق من الولايات المتحدة أو أوروبا، وان الاعتماد على المعادلة الطائفية لابد أن يقود لتفجر صراعات وصدامات دامية في مختلف أقاليم العراق، وان مفهوم السلطة اللامركزية وتقسيم الثروة بين الأقليات القومية والدينية وفق القوانين الجديدة التي صدرت سيكون خطوة على طريق تقسيم العراق، باعتباره بلدا متعدد القوميات والعقائد
وإذا كانت واشنطن ترى في سيطرتها المطلقة (عسكريا وسياسيا)على العراق، وتقسيم الثروات على أرضية صيغة لامركزية في الحكم السبيل لتحقيق مصالح شركات النفط الأميركية، فإن هذه التوجهات ستؤدي بالضرورة لإثارة الصراعات الداخلية والتي سيكون لها امتدادات مع الدول الإقليمية المجاورة التي تبحث أيضاً عن سبيل لتحقيق مصالحها وحماية أمنها القومي في المنطقة.
وستكون النتيجة الطبيعية تقسيم العراق سياسيا بعد أن تم تقسيمه اقتصاديا وقوميا وطائفيا. وتدخل دول الجوار هو أمر حتمي لأن هذا الوضع يهدد بشكل مباشر أمنها القومي وأمن المنطقة، وبصرف النظر عن صحة توجهات هذه الدول أو حقها في اللجوء لذلك فهي اليوم تتدخل بشكل أو بآخر، لتبني حائطا يصد توسع وانتشار الحالة العراقية إلى أراضيها.
وقد وفرت حالة عدم الاستقرار في العراق إمكانات جديدة لهذه الدول، ليس فقط لبسط نفوذها على بعض القطاعات العراقية بل أصبحت العراق مسرحا لصراعاتها ضد القوى العظمى، فبالنسبة لإيران أصبح العراق مسرحا لمحاربة الولايات المتحدة بطريقة غير مباشرة.
وتعتقد موسكو أن العالم لن ينجح في مواجهة التحديات الأمنية إلا عندما تتضافر جهود الأسرة الدولية. وينخفض الطلب على التفرد والإصرار على تولي الزعامة. كما أن المجتمع الدولي لن يصبح أكثر أمنا في حال ارتفاع فارق التنمية بين بلدان العالم والذي يتسبب في اندلاع النزاعات الاقتصادية والاجتماعية والعرقية والدينية.
وتكشف التوازنات الحالية على الساحة الدولية أن استقرار روسيا ونجاحها حققا تغييرا إيجابيا. ولم يعد من الممكن حل أية مشكلة دولية كبيرة بدون التعاون مع روسيا أو رغما عنها. ويعود ذلك لانتهاجها سياسة خارجية تتسم بالمنهجية العملية وتتعدد مساراتها وتتوخى تحقيق المصالح الوطنية دون الوقوع في مزالق المواجهة.
حيث تبنت موسكو نهجا منفتحا يقوم على الحوار البناء والتعاون المتكافئ مع جميع الدول. وقد دخلت في شراكة استراتيجية مع الكثير من البلدان، خاصة جيرانها والصين والهند ومصر والبرازيل وأعضاء مجموعة الدول الثماني الكبرى.
لذلك مازالت موسكو تراهن على أن تعود واشنطن لصوابها، وقد أعلن لافروف وزير الخارجية أن روسيا تأمل في أن لا يكون شركاؤنا الأميركيون قد قالوا الكلمة الفاصلة في التسوية في العراق حيث باتت الضرورة تقتضي الاستعانة بالأمم المتحدة وجميع جيران العراق بمن فيهم إيران وسوريا، وبالمنظمات الإقليمية الرئيسية في دعم المصالحة الوطنية الحقيقية هناك.
وتعتقد الدبلوماسية الروسية أن احد عوامل تصحيح الخط السياسي للتحالف في العراق، وإحلال الاستقرار في المنطقة يتمثل في التحرك نحو تطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية الثنائية. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تهيئة الخلفية المناسبة لتسوية الوضع المتعلق ببرنامج إيران النووي. أي أن ذلك من شأنه أن يدعم الجهود المبذولة لتسوية مشكلات الشرق الأوسط وتعزيز نظام منع انتشار الأسلحة النووية.
وهذا يفسر ترحيب روسيا بالحوار الأميركي ـ الإيراني، وموقفها من (الاستراتيجية الأميركية الجديدة) في العراق التي أعلن بوش عن تبنيها في وقت سابق، حيث تم تقييمها على أنها نقلة تعجز عن إحداث التغيير الجذري في العراق. باعتبار انه لا يمكن لأي قوة تضاف إلى القوات الاحتلال في العراق أن تكون دواء لعلاج ما نتج عن التدخل الأميركي من فوضى وحرب أهلية واحتمال تقسيم البلد.
خاصة بعد أن تحول العراق إلى قاعدة أساسية لتنظيم القاعدة الإرهابي الدولي. واعتبرت الأوساط السياسية في روسيا أن استراتيجية بوش الجديدة تندرج في سياق المواجهة بين الإدارة الحالية للولايات المتحدة وبرلمانها وتصب في إطار المسعى إلى منع أو عرقلة فوز مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة.
وتشير كل الدلائل إلى أن بوش بدأ يصارع الكونغرس في وقت تستمر فيه الحرب الأهلية في العراق بينما يمكن أن تظهر نقاط ساخنة جديدة في الشرق الأوسط. ولعل أحد أسباب تريث موسكو في التحرك بشكل أكثر فاعلية في الملف العراقي، هو تنامي قناعة لدى بعض صانعي سياستها الخارجية أن المدخل المؤثر لهذا الاتجاه يمكن أن يكون عبر الحوار الإيراني ـ الأميركي.
بالرغم مما يحمله من مخاطر بالنسبة للمصالح الروسية في التعاون الروسي ـ الإيراني، ولكن تطورات الوضع في المنطقة تفرض على موسكو انطلاقاً من رؤيتها بضرورة إحلال الاستقرار لتنمية صلاتها، أن تدعم هذا التوجه، باعتبار أن نجاح هذه الخطوة سيمكنها للانتقال إلى مرحلة توحيد الجهود على أرضية تسوية تراعي مصالح كل الأطراف من أجل إحلال الأمن في العراق واستعادته كافة مقومات الحياة الطبيعية.
مركز دراسات الطاقة - روسيا