من الصعوبة بمكان أن نضع حدوداً فاصلة بين وعي المصفوفة الحزبية والسياسية بضرورة الحوار كوسيلة حضارية لتعميق التفاهم وتقريب وجهات النظر إزاء القضايا والموضوعات التي تتباين فيها الرؤى والاجتهادات، وبين الدور الذي ينبغي أن تلعبه هذه المصفوفة من أجل أن يفضي الحوار إلى النتائج المرجوة منه.

فالحقيقة أن المعضلة لا تكمن في التوافق على الموضوعات والأفكار المطلوب مناقشتها والاتفاق عليها، بل في الاختلال الذي يحول دائماً دون بلوغ تلك الحوارات لأهدافها خاصة أن هناك من يجد في ضعف الثقة بين تلك الأحزاب الفرصة للتشويش على مناخات الحوار إما عبر الأطروحات الإعلامية غير المسئولة أو من خلال التسريبات التي تسعى لإثارة الشكوك بين أطراف العمل السياسي والحزبي.

ولعل مثل هذا التداخل قد انعكس على واقع العلاقات القائمة بين هذه المكونات السياسية والحزبية التي ظلت مع الأسف الشديد تتأرجح بين تأثيرات المناكفات الإعلامية ومشيئة من يريدون أن تبقى في حالة تنافر، وبين المهام والمسئوليات التي تفرضها عليها قواعد الشراكة الديمقراطية.

ومن حسنات اللقاء الذي جمع فخامة الرئيس علي عبدالله صالح يوم أمس بقيادات الأحزاب والتنظيمات السياسية الممثلة في مجلس النواب أنه أتاح الفرصة لملامسة تلك الثغرات بصورة مباشرة، وذلك عبر ما ورد على لسان الأخ رئيس الجمهورية الذي شدد على أهمية احترام وثيقة الضوابط الموقعة من قبل هذه الأحزاب حتى يأتي الحوار مستلهماً التطلعات الوطنية على صعيد البناء والتنمية والنهوض الحضاري بالوطن وتمتين أواصر التآخي والتلاحم والوحدة الوطنية.

وإذا ما سلَّمنا بمثل هذه الدلالات فإن الجلوس على طاولة الحوار لايحتاج إلى دليل يتضمن القضايا والعناوين التي يتعين مناقشتها من قبل شركاء العملية السياسية لأن أي حوار لابد أن تكون له أجندته، وقد حملت دعوة المؤتمر الشعبي العام الخطوط العريضة لهذه الأجندة التي اشتملت على الجوانب المتعلقة بالإصلاحات السياسية والدستورية والديمقراطية.

ومن ذلك البحث في إدخال المزيد من التعديلات على قانون السلطة المحلية وقانون الصحافة والمطبوعات وقانون الانتخابات والأحزاب وغيرها من القضايا المرتبطة بمسارات المستقبل.

وعليه فإذا كان التوافق على هذه الأهداف وغيرها سينعكس بالفائدة والمصلحة على الوطن وأبنائه فإن من الواقعية عدم السماح لأي من الموتورين بالوصول إلى مبتغاهم عبر زرع الأشواك في طريق هذا الحوار، خاصة وقد أثبتت التجارب السابقة أن هناك من لايروق له صفاء الحياة السياسية من مكدرات الخلافات والتباينات كونهم لايطيب لهم العيش إلا بإحداث الوقيعة وإثارة الزوابع والفبركات والفرقعات الإعلامية التي تلحق الضرر بالوطن وتسيء إلى تجربته الديمقراطية.

ونعتقد أن جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية التي وقعت على وثيقة الحوار مطالبة بتحمُّل مسؤولياتها في إسقاط تلك الرهانات التي اعتادت على التكسُّب والتمصلح من وراء خلافاتها وتبايناتها، إلى جانب أنها معنية بدرجة أساسية بتقديم البرهان على أنها جادة في الفعل وصادقة في النوايا ومخلصة في الأداء ومؤمنة بأن لاشيء يعلو على مصلحة الوطن.

ومن لوازم هذا المنهج والمسلك أن نجعل من الحوار نافذة للمزيد من التوافق والتلاحم ومن الديمقراطية منهجاً للبناء والإصلاح والانتقال باليمن الجديد إلى المستقبل الأفضل.