بين (حرب يوليو) الصيف الماضي (ونحن على مسافة ثلاثة اسابيع من الذكرى الأولى لإندلاعها)، وبين (حرب نهر البارد) التي مرَّ شهرٌ على اندلاعها، يواصل الجيش اللبناني دفعَ أغلى الأثمان.

في (حرب يوليو) قدَّم ما لا يقل عن خمسين شهيداً، وفي الحرب الحالية قدَّم الى الآن ما لا يقل عن سبعين شهيداً، وفي (الحربين) يُحتسَب عدد الجرحى بالمئات. بين يوليو الماضي ويونيو الحاضر، كتب الجيش اللبناني عقيدته العسكرية بالدم، ولخّصها بأن للبنان عدوٌا واحدا هو اسرائيل لكن اعداء الوطن كُثُر، فالمعتدي على الجيش عدو والمعتدي على النظام العام عدو، والمُخِل بالأمن عدو.

والسؤال اليوم كبير وهو: ماذا بعد مخيم نهر البارد? والداعي الى هذا السؤال ان الإختلاف كبير بين ما قبل وما بعد. ما قبل معارك نهر البارد كان الوطن مباحا: شبكات من مختلف الجنسيات، ومستودعات اسلحة ولكن ليس لقتال اسرائيل اذ كيف يمكن قتالها من مناطق ومستودعات تبعد عن حدودها مئتي كيلومتر؟ كانت استعدادات لـ(حرب الإرهاب على أرض لبنان)، ولو لم يواجه الجيش اللبناني هذه الظاهرة لكان جرى تعميم مخيَّم نهر البارد على البلد بأسره.

الجيش اللبناني يخوض أصعب أنواع المعارك للإعتبارات التالية: - إنه قتالُ جيشٍ نظامي ضد (حرب عصابات)، يملك افرادها الاسلحة المناسبة وعقيدة الذبح وقتل الجريح وتفخيخ الجثث، فيما الجيش يحترم قوانين الحروب.

- إنه قتالُ جيشٍ وجد نفسه منذ عامين مسؤولاً، عسكرياً وأمنياً، عن كل الاراضي اللبنانية، فيما جهوزيته وموازنته لم تكن تسمح له بذلك، ومع ذلك واجه التحدّي ولم يقع في أي فَخ.

- انه قتالٌ لجيش لم يتسلم (خارطة الألغام الأمنية والإرهابية) من أيِّ أحد، فلا اسرائيل سلّمته خارطة الألغام التي زرعتها في الأراضي اللبنانية (والتي ينفجر بعضها يومياً بالمواطنين اللبنانيين)، ولا غيرها سلّمه أي خارطة بـ(ألغام) من نوع آخر توازي في فتكها الألغام الإسرائيلية، ومع ذلك يجد الجيش اللبناني نفسه في قلب حقول ألغام من مختلف الانواع لكنه لا يتهاون ولا يتراجع.

ما بعد نهر البارد ليس كما قبله، وإذا كان الجيش اللبناني قد أُخذ على حين غرّة واضطُر الى خوض المعركة، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون (تعميم تجربة نهر البارد) ولكن ليس بالقتال بل بالحوار الحازم والصارم والحاسم، فلا خيار بين ان تُعمَّم تجربة نهر البارد على كل لبنان، وبين ان يعود هذا المخيم الى تحت سقف الدولة اللبنانية.لقد خاض الجيش اللبناني المعركة عن الجميع ويُفتَرض بالجميع ان يخوضوا معركة دعمه وتقويته والحفاظ عليه.