لفت أنظار الناس اعتذار الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل عن عدم قبول درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية التي قرر مجلس الجامعة الأميركية في القاهرة منحها له مؤخراً، وكيف لا وهو الذي شغل الدنيا والناس على مدار حياته منذ ان شب مخبراً صحافيا في الايجيبشين جازيت في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي حتى صار رئيسا لتحرير اكبر الصحف العربية (الاهرام) وحتى وقت تقاعده في عام 1974 ثم بعد استئذانه في الانصراف لاستيفائه عامه الثمانون في سبتمبر 2003.
ومنح مجلس الجامعة الدكتوراه الفخرية لهيكل حسبما جاء في حيثيات القرار نظراً «لجهوده المستمرة والقيادية في مجالات الصحافة والخدمة العامة، وإنجازاته طوال تاريخه العملي التي تعكس مستوى عالياً من الأمانة والامتياز في توثيق تاريخ مصر السياسي».
ولسنا بصدد تحليل ظروف وملابسات أسباب الاعتذار عن قبول الدرجة التي أوردها في كلمته بمناسبة تخريج دفعة جديدة من طلاب الجامعة ، ولكن بصدد ما جاء في تلك الكلمة وحديثه الموجه للشباب والذي بدا فيها متشائما الى حد كبير وحادا في نقده الشديد على الجيل السابق للشباب والذين هم بمثابة القدوة رافضا تماما الأدوات والوسائل للسابقين ، ناصحا الجيل الجديد بعدم الأخذ بنصيحة البارحة وعليهم اكتشاف (المفتاح) الذي لخصه «بأنه الاكتشاف والفتح وليس المألوف والمعروف».
قائلا للشباب «أقول لهذا الجيل مباشرة لا تسألوا أحدا ولا تطلبوا نصيحة البارحة، أياً كان مصدرها من أجل الغد، واذا فعلتم فالجواب في الغالب معتم أو مظلم لان شمس البارحة سافرت في الغروب».
مؤكداً لهم «خذوا المسؤولية بأيديكم واطرحوا سؤال المستقبل وتوصلوا في أول النهار الجديد إلى جواب عنه فانتم أصحاب المسألة كلها سؤلا وجوابا ومستقبلا».
كلام جيد وعظيم الا انه في غاية الخطورة ولولا العلم بأستاذية «الأستاذ» الذي ترك وراءه كنوزا سيظل ينهل منها الشباب تحديداً ويتعلموا جيلا بعد جيل حتى لا ينسوا تاريخهم لقلت انه غير الأستاذ الذي يتكلم الا اذا كان يقصد فئة أو شخصا بعينه يريد له أن يكون ذا أمر وعليه ان ينسى تاريخ من سبقوه لأنه كان ملوثا وغير سوي وعليه ان يصنع مستقبلا مغايرا لما سبقه، هذا ما أولته والمعنى في بطن الشاعر «الأستاذ».
عدت الى ما كتبه الأستاذ هيكل عن «سكوت واطسن» معلمه ومدربه في (الايجبشين جازيت) شخصية أستاذنا - يقصد واطسون- وما تميزت به من الحماسة المشبوبة بالنار- تكفلت بتعويض النقص في معارفنا حتي أتيح لنا فيما بعد أن نستوعب تلك الرابطة الدقيقة العميقة بين الحرف والموقف.
هذا ما تعلمه من تجربة أستاذه ومن حرفيته في العمل التي استمر عليها هيكل بعد ذلك ويطالب الآخرين من جيل الشباب بعدم الأخذ بها والتنازل عنها مقابل اكتشافهم لمفاتيح المستقبل وحدهم دون دليل او من يساعدهم على ذلك، اعتقد لو ان المعارف تأتي دون اكتساب لهان الأمر ولما احتجنا إلى تعليم او مدارس أو جامعات ولكان لكل منا رأسه الذي يهديه دون حاجة إلى أحد، الأمر غير ذلك نحن نحتاج الى خريطة طريق للمستقبل يحددها الفاهمون وعقلاء هذه الأمة واعتقد أنه أول من سيكون له النصيب الأكبر في ذلك بما له من خبرة ومن دراية بفنون الطريق.