تُعد الكرامة هي القيمة الأسمى في مسيرة المقاومة، إذ تقع منها موقع القلب من الجسد، وأحياناً تكون بمثابة القدمين اللذين يسير بهما هذا الجسد في مختلف الاتجاهات، متنقلاً نحو مقاصده وغاياته. فمن الكرامة تولد الحرية والهيبة واحترام الذات واستحسان التعزيز الإيجابي والثناء، وهي قيم وأحوال نفسية ضرورية لبناء شخصية الآدمي عامة، وتحديد مسيرته ومصيره، وشخصية المقاوم على وجه الخصوص، وترسيخ اختياراته وانحيازاته.

ويقود الشعور بالكرامة إلى ميلاد اتجاهات وقيم سياسية إيجابية، لا غنى عنها لأي مشروع وطني يقوم على الممانعة. فهذه القيم وتلك الاتجاهات والتوجهات تحصن الإنسان نفسياً وعقلياً ضد العناصر التي تعمل على تآكل روحه وتداعي قدرته على الصمود، وهي تسهم بطريقة جلية وملموسة في صنع الإطار العام الذي يحكم نظرة الإنسان إلى الأمور، وتقديره للمواقف والأحداث والشخصيات والأفكار.

وكلما كان هذا الإطار متماسكا منيعا، تضاعفت إمكانيات التصدي ل«الآخر المٌعادي»، سواء كان العدوان متجسدا في جيوش وعروش، أو متمثلا في أفكار ورؤى، أو متضمنا في استراتيجيات وخطط وحيل ومكائد.

وأول الاتجاهات التي يصنعها شعور الإنسان بالكرامة هو حيازته «الاقتدار السياسي»، الذي يبدأ بتقدير الذات، وهو يقوم على حكم الفرد على أهميته الشخصية، فإن رفع من قدرها، واعتز بها، امتلأ شعورا بأهميته، وجدارته بالاحترام والتقدير، وامتلأ ثقة في صحة أفكاره وميوله.

وعلى العكس من ذلك فهو أن أبخس نفسه، وحط من منزلتها، فسيتضاءل شعوره بقيمة شخصيته، وسيصاب بإحساس بأن الآخرين يلفظونه، وأنه عاجز عن فعل ما يريد. والحاجة إلى التقدير تشير إلى معنيين رئيسيين الأول هو الحاجة إلى القوة والإنجاز والكفاية والتمكن، والثاني هو الحاجة إلى السمعة والمكانة والشهرة والفخر والأهمية، فإن أشبع الإنسان هذه الحاجات امتلك الشعور بالثقة، وأحس بأن له قيمة في الحياة، وليس مجرد رقم في طابور طويل لا ينتهي، أو عالة على الدنيا والناس.

وحيازة الاقتدار والثقة تؤدي بالإنسان إلى «المشاركة السياسية»، أي انخراطه في الأنشطة التطوعية التي يهتم بها مجتمعه، والمتعلقة باختيار الحكام، وصياغة السياسة العامة، وذلك ابتداء من البحث عن المعلومات، والمساهمة في الجدل العام القائم، وانتهاء بالانخراط في حزب أو تيار سياسي معين أو الترشح للانتخابات، مرورا بحضور الاجتماعات والتبرع بالمال، والتواصل مع الشخصيات السياسية، والمشاركة في الحملات الانتخابية.

وهذا الصنف من المشاركة له خصائص تتمثل في «الفعل» الذي يعني حركة الجماعة حيال تحقيق أهدافها ومقاصدها العامة، و«التطوع» الذي ينجم عن شعور الفرد بالمسؤولية الاجتماعية تجاه هذه الأهداف، و«الاختيار» الذي يضمن للفرد أن يساند الفريق السياسي الذي يحقق مصالحه، وصالح الوطن.

وتعد المشاركة على هذا النحو نوعا من «المقاومة الإيجابية» لأنها تصب في التيار العام الذي يرفض الاستبداد، من خلال التمسك بمباشرة الحقوق السياسية. والفرد المشارك إيجابيا، أو المنتمي، يكون متهيئا للانخراط في صفوف المقاومة والدفاع عن الوطن، إن تعرض لغزو أو اعتداء خارجي.

أما ثاني هذا الاتجاهات فيتمثل فيما يؤديه الشعور بالكرامة إلى نزوع الفرد نحو التحرر والحرية، فالكفاح من أجل الكرامة يشترك في كثير من الجوانب مع النضال من أجل الحرية. وإعلاء قيمة الحرية يقود الفرد إلى مقاومة التسلط، فالإنسان المقهور يسعى لحل مأزقه الوجودي والتخفف من انعدام الشعور بالأمن، والتبخيس الذاتي الذي يلحق به، جراء وضعية الرضوخ، عبر التماهي بالمتسلط والذوبان في عالمه ونظامه، وتمثل عدوانيته وطغيانه ونمط حياته وقيمه المعيشية، ورفع مكانته، وتثمين كل ما يمت إليه بصلة، وذلك في ظل هروب واسع من الذات، وتنكر فاضح لها، وتهرب من الجماعة، وتنصل من الانتماء إليها.

فالمقاتل الذي يحمل السلاح قد يتردى من النضال إلى ممارسة ما كان يقوم به المتسلطون عليه، وبدلا من أن يعامل الناس بروح الأخوة، ويرى نفسه حارسا أمينا على حريتهم واستقلالهم، يتعالى عليهم، ويتباهى مختالا باستعراض قوته، متمسكا بالمظاهر، بشكل يتنافى مع الروح النضالية الحقة، التي تفرض على المقاوم أن يتضامن ويتواضع حيال الجماهير.

وكما يقول الدكتور مصطفى حجازي، في كتابه المهم «التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، فإن «شيوع التماهي بالمتسلط سلوكيا ونفسيا عند المقاتلين والمسلحين، يحمل أشد الأخطار على عملية التغيير والتحرير. فبدلا من تقويض العلاقات السابقة (السيد والتابع ـ المتسلط والراضخ) وإخلال الإخاء محلها، نلاحظ بروزا لسادة جدد، ومتسلطين جدد، يشتطون بقدر حاجتهم للتعويض عن دونيتهم المزمنة.. وإذا بالممارسة المسلحة تتعرض للتزييف والتحوير والوقوع فيما قامت أصلا لتغييره».

وحين يصل المقاوم إلى الحد الذي يمارس فيه نوعا من «السادية» على محيطه الاجتماعي، يكون قد انزلق إلى الضعف الكامل. وعلى حد تعبير عالم النفس الاجتماعي الشهير أريك فروم: «ليست الشهوة للقوة كامنة في الاقتدار، بل في الضعف، إنها عجز النفس الفردية عن أن تطيق الوحدة، وتظل حية. إنها المحاولة اليائسة لكسب اقتدار ثانوي، حيث ينقص الاقتدار الأصيل».

والنزوع إلى الحرية، القائم على الشعور بالكرامة، يحمي المقاوم من الوقوع في فخ التسلط على الناس، والانزلاق إلى أعمال وممارسات استعراضية. فالكريم يحترم الآخرين، عن اقتناع بأن هذا هو المسلك الصائب في الحياة، وعن رغبة في أن يقابل منهم باحترام شديد، لأن الإهانة في نظره أقسى من أن يتحملها، وإن جرت وتكررت فهي تمس كيانه ووجوده، وهو أمر فوق طاقة المقاوم والمناضل الحقيقي.

وثالث هذه الاتجاهات يتمثل في إعلاء الممتلئ شعورا بالكرامة للوجود الإنساني أو «الكينونة»، مفضلا إياها عن التملك، الذي يدور حول الغرائز، التي إن انصاع الإنسان لها، ورضخ لإلحاحها، صار أقرب إلى الحيوان. أما الكينونة فتسلك طريقا مختلفة، تتعبد فوق الحاجة إلى الانتماء والتعالي أو التجاوز، والحاجة إلى الارتباط بالجذور والهوية، والحاجة إلى إطار توجيهي، يحكم الفهم والسلوك.

والميل إلى الكينونة أو الوجود يحمي الإنسان من التردي في الجشع والحسد والعدوان، والانسحاق أمام المادة ومنطق السوق المتوحشة، ويمده بمتعة التجربة المشتركة، والتحلي بالقيم الإنسانية السامية، وهي حالات وأمور غاية في الأهمية والحيوية بالنسبة للمقاوم، الذي يجب أن يكون مستعدا في أي وقت لأن يدفع روحه ثمنا للدفاع عن القضية التي يؤمن بها.

وهنا يأتي الاتجاه الرابع الذي يرسبه الشعور بالكرامة في نفس المقاوم وعقله، ألا وهو «الولاء»، الذي يعني الارتباط وعيا وسعيا بمجموع الشعب، والميل إلى ما يتبناه من قيم وأفكار، وما يصبو إليه من أهداف ومصالح. ويعني كذلك الروابط والعواطف المعنوية والقانونية التي تربط الفرد بجماعة أو مؤسسة أو وطن.

ومثل هذا الشعور يبلغ مكانة من المقاومة تماثل تلك التي يبلغها الدم من حياة الإنسان، فلا مقاومة من دون ولاء، فالمنتمي فقط هو الذي يحوز استعدادا للدفاع عن المعتقدات والمعاني والأفكار التي يؤمن بها، والذود عن الشخصيات الاعتبارية والإنسانية التي يرتبط بها.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة