يبدو أن الصراع على الصورة والكلمة والرأي العام بدأ يحتدم أكثر من أي وقت مضى، وأن سيطرة حفنة من الدول من خلال شبكة وسائل ووسائط إعلامها القوية وذات النفوذ العالمي قد بدأت تواجه تحديات من دول مختلفة في العالم. فالذي يريد أن تكون له كلمة ورأي ووجهة نظر وأن يكون له وجود في المنظومة الدولية يجب أن يخاطب العالم بلغات مختلفة وخاصة بلغة الجمهور المستهدف.
تجارب «الجزيرة انترناشيونال» و«فرانس 24» وفي الفترة الأخيرة «روسيا اليوم» تشير إلى أن الصراع على الصورة والكلمة وبذلك الرأي العام العالمي أصبح من أولويات الدول الفاعلة في النظام الدولي. كما تشير هذه المبادرات الجديدة إلى رغبة كبيرة من البعض لتصحيح الوضع من أجل احترام تعدد الثقافات والحضارات والديانات واحترام الآخر كما هو.
فالقرية الكونية اليوم تعاني من فضاء إعلامي وثقافي يسيطر عليه التشويه والتلاعب والتعتيم والصراع الأيديولوجي والسياسي والثقافي والحضاري. روسيا بعد 17 سنة من الجلاسنوت والبيريسترويكا وانهيار الشيوعية لم تتخلص بعد من إرثها القديم وبقيت في أذهان مئات الملايين من البشر في ربوع العالم ومنهم العرب، دولة الاستبداد والدكتاتورية وغياب الحريات وسيطرة الدولة على مختلف مجالات الحياة.
والحقيقة أن روسيا تغيرت كثيرا وانتهجت العديد من السياسات التحررية في ميادين عدة منها الاقتصاد والحريات الفردية وحقوق الإنسان والإعلام. لكن رغم رهانات المعركة وأهميتها تخلف الروس على الغرب وما زالوا يعانون من عدم التحكم الجيد في لعبة معركة الكلمة والصورة والرأي العام.
لكن بإطلاقهم القناة الفضائية «روسيا اليوم» والتي تبث باللغة العربية أعلن الروس دخولهم المعركة لتقديم أنفسهم بأنفسهم للعرب ولمخاطبة العرب مباشرة وبلغة الضاد. في السابق كان العرب يتلقون أخبار روسيا من الغرب وبعيون ووجهات نظر غربية.
وهذا يعني أن العرب يتعرفون على روسيا ويشاهدون ويطلعون على أخبارها من خلال عيون غربية وتحليلات وتأويلات تمر بواشنطن ولندن وباريس. فنسبة كبيرة من العرب لا يعرفون الكثير عن روسيا أو ما يعرفونه عنها، وهو قليل جدا، مشوه ولا يعكس الحقيقة.
فحسب المحللين الروس لا يعرف العرب الكثير عن الروس وما يعرفونه ما هو إلا مجموعة صور نمطية وأفكار مسبقة و«كليشيهات» من ترسبات الحرب الباردة والعهد الستاليني. أدى هذا الالتباس والتعتيم وانتشار الدعاية والحرب النفسية إلى سوء تفاهم وانعدام الثقة والنفور من روسيا. ويرى الروس أنهم قدموا الكثير للعرب من خلال مواقفهم المساندة للعرب ومن خلال المساهمات العديدة في المشاريع الاقتصادية والتنموية في البلدان العربية.
ورغم كل ذلك تبقى البرودة والفتور والنظرة السلبية هي معالم العلاقات الروسية العربية. في حين يتمتع الغرب بعلاقات متميزة رغم أنه لا يقدم أي شيء للعرب سوى الحروب والدمار وزيادة التبعية والتخلف وآليات الاستغلال والتبعية. فرغم انهيار الاتحاد السوفييتي والشيوعية ما زال الروس لم يعرفوا كيف يتقنون بطريقة جيدة معركة الرأي العام والصورة والكلمة وما زالوا بعيدين عن الغرب في هذا المجال.
من هنا جاءت فكرة القناة الفضائية الروسية الجديدة التي تبث باللغة العربية بهدف الوصول إلى العالم العربي ومخاطبته بلغة الضاد وتزويده بالحقائق والمعلومات والأخبار عن روسيا والعالم بعيون روسية وبكادر بشري روسي. التحدي كبير جدا أمام القناة الجديدة التي ستتنافس في فضاء إعلامي يعج بالفضائيات وبالوسائط الإعلامية المختلفة وعلى رأسها مئات الآلاف من المواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية.
تتميز القناة الفضائية الإخبارية الروسية «روسيا اليوم» بكونها قناة روسية مئة بالمئة يشرف عليها روس يتقنون اللغة العربية اتقانا جيدا ومعظمهم مهتمون بالشؤون العربية والإسلامية، يساعدهم في رسالتهم حوالي مئة صحفي عربي. القناة تقدم وجهة نظر وموقف الروس من الصراع العربي الإسرائيلي، ومن حرب العراق ومن الملف النووي الإيراني والإرهاب ودارفور وقضايا عديدة يختلف فيها الموقف الروسي عن الموقف الأوروبي والأميركي.
فالقناة الجديدة تخاطب العالم العربي باللغة العربية للوصول إليه من دون وسيط ولا رقيب ولا حارس بوابة وبتحليل ووجهة نظر روسية محضة. نجاح القناة مرهون بمستوى الحرفية والمهنية والاستقلالية والالتزام بتقديم رسالة مسؤولة موضوعية ونزيهة من أجل تسليط الضوء على مختلف القضايا والشؤون التي تهم العرب والروس.
الصراع محتدم والكلمة الأخيرة تعود لمن يتقن الأداء الجيد والمسؤول والمحترف والملتزم. تجربة قناة «الحرة» وغيرها من جهود الدبلوماسية العامة التي قامت وتقوم بها الآلة الإعلامية والدعاية الأميركية لم تنجح في تغيير الصورة السلبية للولايات المتحدة الأميركية في العالم. فالأقوال يجب أن تكون مقترنة بالأفعال حتى تجد أذانا صاغية ويكون لها تأثير على المستقبل.
صورة الشيوعي الملحد، المتغطرس، المستبد، عدو الدين ما زالت تنتشر إلى اليوم في الكثير من العقول العربية. صورة المافيا كذلك وتبييض الأموال، وإدمان «الفودكا»، والدعارة وغيرها من الصور السلبية تعشعش في أذهان نسبة كبيرة من العرب.
فالروس يعانون من الصور النمطية والتشويه والتضليل والتعتيم على عكس الغرب الذي، من خلال الصناعات الثقافية المختلفة، ومن خلال وكالات الأنباء والفضائيات، يروّج ويسوّق الأفكار والقيم والعادات واللغة وحتى نمط اللباس والأكل. فالعالم أصبح يتكلم أميركيا ويلبس أميركيا ويستهلك أميركيا، رغم أن كل بلد وكل شعب وكل أمة لها قيمها وثقافتها ورصيدها المعرفي والتاريخي.
فالأحادية التي تحاول أميركا فرضها على العالم لا تخدم لا مصلحة الروس ولا مصلحة العرب. فالروس مطالبون بتأكيد حضورهم على المستوى الدولي في مختلف المجالات. فكما أن لهم حضورا في السياسة يجب أن يكون لديهم حضور في الإعلام والثقافة كذلك، فالسياسة بدون إعلام لا يكتب لها النجاح.
فسبل تطوير التواصل والتفاهم والتعاون بين الروس والعرب تتمثل في قنوات الإعلام والتبادل الثقافي والحوار بين الشعوب العربية والروس. فانعدام المعلومة يؤدي إلى انتشار الإشاعة وانتشار الإشاعة يؤدي إلى انتشار الصور النمطية وسوء الفهم والتفاهم ومن ثمة الحقد والكراهية وثقافة الخوف والانتقام وإقصاء الآخر.
العرب من جانبهم مطالبون بمد اليد للآخر وكذلك التفكير في مخاطبة الآخر بلغته، وهنا نشير إلى مبادرة «الجزيرة انترناشيونال». لكن هذه المبادرة اليتيمة والوحيدة بحاجة إلى عشرات بل مئات الوسائط الإعلامية الموجهة للآخر بلغة الآخر لتحقيق التفاهم ومن ثمة الاحترام المبني على المعرفة والحقائق وليس الدعاية والصور النمطية.
يعاني العرب من التهميش والتضليل والتعتيم والصور النمطية والتشويه وأصبحت الشعوب العربية والإسلامية عنوانا للإرهاب والجريمة المنظمة والوحشية والاستبداد والتطرف وإقصاء الآخر. هذا الوضع الخطير بحاجة إلى معالجة علمية ومنهجية من قبل العرب إذا أرادوا كسب معركة الصورة والرأي العام.
فلماذا لا تكون قناة «العرب اليوم» لمخاطبة روسيا تبث بالروسية، و«العرب اليوم» تبث بالفرنسية لمخاطبة الفرنسيين، وفضائية أخرى بالإسبانية لمخاطبة الشعوب الناطقة بالإسبانية وهكذا...فصناعة الرأي العام تمر بالصناعات الإعلامية والثقافية .
وتمر بالحضور القوي والفعال في الفضاء الإعلامي الدولي. من خلال «روسيا اليوم» أدرك الروس الدور الاستراتيجي للإعلام ولصناعة الرأي العام وأنهم بحاجة ماسة للاستثمار في الإعلام والصناعات الثقافية حتى يكون لديهم وجود في الوجدان والعقل والرأي العام العربي.
كلية الاتصال - جامعة الشارقة