تجمع الافراد والجماعات والشعوب أمران أساسيان هما: الخطر المشترك والمصالح المشتركة، والخطر المشترك يعني أن هناك خطراً يتهدد الأمن والوجود والموارد يجعل الشعوب تندفع باتجاه التكتل والاتحاد لمواجهة ذلك الخطر مهما كانت خلافاتها البينية.

وتجارب التاريخ تشهد على ذلك مهما كانت درجة تقدم أو تخلف تلك الشعوب، أما المصالح المشتركة فهناك مقومات للحياة تشترك فيها سواء كانت موارد اقتصادية أم غيرها تدفع الشعوب للاتحاد في سبيل الحفاظ عليها وتنميتها، وهناك مرحلتان لمسيرة كل من الخطر المشترك والمصالح المشتركة.

المرحلة الأولى بأن الافراد والجماعات تختلف فيها حول ماهية الخطر وطبيعته وكيفية مواجهته، والنزاع بين الافراد والجماعات على المصالح للاستحواذ عليها والمرحلة الثانية عندما تتعرض تلك الجماعات لأخطار حقيقية، وتريد صيانة وتطوير مصالحها لا سبيل أمامها إلا الاتحاد لمواجهة الخطر وحماية وتطوير المصالح.

هذا هو الوضع الطبيعي، والذي عاشته البشرية عبر تاريخها لا بل حتى الحيوانات تلجأ الى ذلك في أغلب الأوقات، بيد أن المشكلة في العالم العربي يبدو أنها تسير عكس ذلك التطور الطبيعي في تاريخنا المعاصر، فالعرب لا يتحدون في مواجهة الخطر الذي يتهددهم، ولا يسعون الى صيانة وتنمية مصالحهم المشتركة! لماذا؟

للإجابة عن هذا السؤال علينا ان نقرأ بعناية الواقع العربي على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ونعرف بأنها عملية ليست سهلة لكن لابد منها لمعرفة حقيقة ما نحن فيه وما ستكون عليه الحال عند استشرافنا للمستقبل.

تواجه العرب أخطار عديدة ومختلفة الأبعاد فهناك خطر التمدد الإسرائيلي جغرافيا واقتصاديا، وهناك خطر محاولات التيار الديني السياسي لإقامة الدولة الدينية، وهناك خطر تقهقر ما توفر من مكتسبات تنموية وديمقراطية، وهناك خطر الحروب الأهلية والإقليمية، كما أن هناك خطر العودة إلى دويلات الطوائف والقبائل المقزمة والمهمشة، والعرب يسيرون ليس باتجاه الاتحاد لمواجهتها ولكن باتجاه تعميقها، واستمرارها وستكون النتيجة هزيمتهم عند وقوعها لا سمح الله.

وبعد ثلاثة أرباع القرن من استقلال الدول العربية ليس لدى العرب عمل جاد باتجاه المصالح المشتركة للأمة. فقد عجزت جامعتنا العربية خلال ستين سنة من عمرها عن إقامة السوق العربية المشتركة، وعجزت عن توفير الأمن الغذائي للعرب، وعجزت عن أن تضع المصالح المشتركة ضمن أولوياتها، كما عجزت عن إقامة المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية المشتركة!

قد يرد علينا البعض بأن مثل هذا الطرح فيه ظلم للواقع ومتشائم أكثر مما يجب، وهو في خانة جلد الذات الذي يؤدي إلى الإحباط وضياع الأمل. والرد إلى متى نبقى نضع رؤوسنا في الرمال ولا نريد أن نرى الحقيقة كما هي؟ يقولون إن آخر العلاج الكي.

وهذا يعني أننا بحاجة إلى صعق كهربائي يعيد إلينا وعينا فقد تفوق الحيوان علينا اليوم عندما تتحد الذئاب والأسود ضد ضحاياها أو الأخطار التي تتهددها، أما نحن البشر على هذه الأرض الممتدة من موريتانيا حتى اليمن فإن مهمتنا الأساسية في عصرنا هي الصراع الأهلي وهدر الإمكانية، وضياع الفرص التاريخية للتنمية والبناء. وإذا كانت هذه حالة جيلنا فهناك أمل في الأجيال القادمة لتقود التصحيح في فكرنا وسلوكنا.

هذا هو العالم حولنا يتطور، لقد دخلت الدول الأوروبية في حروب وصراع فيما بينها بسبب المصالح ومشكلات الحدود والكيانات القومية وغيرها لكنها اليوم تتحاور وتتحد، وتحقق إنجازات متقدمة على طريق المصالح المشتركة بالسوق الأوروبية المشتركة وتوحيد العملة والتعليم والثقافة وغيرها.

وهذه الصين واليابان كانتا مدمرتين ومتخلفتين حتى نهاية الحرب العالمية الثانية أما اليوم فهما دولتان صناعيتان ومتقدمتان تنافسان أقوى وأكثر الدول تقدماً، وهذه ماليزيا وسنغافورة والهند وبعض الدول الافريقية على طريق التنمية والديمقراطية الحقيقية، وقد تجاوزت مرحلة التمزق والصراع الداخلي. أما العالم العربي فيعيش في غير زمانه أو يعيش زمانه في غير زمان الآخرين.

إن الذي يجري في العالم العربي من صراع طائفي وعرقي وتقهقر للعلاقة والدولة المدنية وسيادة قوى التخلف والإرهاب واستمرار الصراع على السلطة يدل على أن هذه الأمة تعيش خارج التاريخ المعاصر للبشرية وتعود بنا قروناً إلى الخلف، هذه هي الحقيقة اليوم، لكن إلى أين؟

إن استمراء العيش في الواقع يؤدي إلى استمراره دون تغيير حقيقي، وهذا يعني أن مهمة المثقفين وقوى التنوير استنهاض الأمة من جديد للتمرد على الواقع لأنه غير معقول وغير مقبول. لكن الخطر يكمن في مثل هذه الدعوات للفهم الخاطئ لمراميها وأهدافها ووسائل الوصول إليها.

إن العنف ليس هو المطلوب لتصحيح الاختلال والاعوجاج، فالعنف المبني على التعصب يقود إلى التطرف، والتطرف يقود إلى الإرهاب والأمة اليوم تعيش هذه الحالة في أكثر من دولة ومنطقة، لكن المطلوب إعادة الوعي أو وعي جديد قائم على الحوار الحضاري ونقد الذات موضوعياً بين المثقفين أولاً.

ثم بينهم وبين قوى المجتمع الواحد ثم بين مجتمعاتنا وشعوبنا ويمكن التأكيد على أن العرب يواجهون الخطر المشترك أكثر من أي وقت مضى، وإن مصالحهم المشتركة تتطلب الإنفاق بشأنها اليوم أكثر من أي وقت مضى، وانه ليس هناك ما يمنع من توحيدهم لمواجهة الخطر ولتحقيق المصالح المشتركة.

لقد انشغلت شعوبنا بصراعات جانبية وصغيرة وهامشية على حساب قضاياها الأساسية، ودخل مثقفوها في جدل عقيم حول قضايا بعيدة عن الواقع ومعظمها من موروثات الماضي ليست هناك وصفة جاهزة للخروج من المأزق الذي تعيشه الأمة إلا بصحوة المثقفين، وتقدمهم الصفوف لتجديد الفكر ورسم معالم الطريق.

وهنا نقصد المثقفين الحقيقيين لا أشباه المثقفين ولا أنصاف المثقفين ولا أدعياء الثقافة ولا المنتفعين باسم الثقافة. لا بد من عقلنة أطروحات قوى الضغط الإيجابية في مجتمعاتنا لأن المجتمعات العربية لا تخلو من قوى الضغط السلبية التي لها أغراض قد تعرض أمن المجتمعات ومستقبلها للخطر مستغلة طبيعة الظروف القائمة وضعفها أو تراجعها فترفع شعارات الانقاذ والإصلاح وهي في حقيقة الأمر مدمرة وعدوة للإصلاح، تنادي بالتسامح وهي غير متسامحة.

وتنادي بالوسطية وهي أبعد ما تكون عنها، وتنادي بمواجهة الإرهاب وهي تمارس الإرهاب الفكري ولا تعترف بالآخر. إن معيار توحدنا ضد الخطر المشترك، ومن أجل المصلحة المشتركة هو تقدم مثقفي الأمة الصفوف لا انسحابهم واللهث وراء الأحداث تردداً وخوفاً أو طمعاً وهل يمكن تحقيق خطوات على ذلك الطريق الشاق الطويل غير المستحيل إلا بتوفر الإرادة والإدارة السليمة. إن الأمل والمراهنة على الأجيال العربية الجديدة الصاعدة مشروع ومطلوب.

كاتب كويتي