تمثل عناوين الكتب مفتتحاً مهماً وعميقاً، وربما مختصراً دالاً، لفحوى هذه الكتب ذاتها. فمن العنوان يمكن أن يشكل القارئ تصوراً عاماً لما سوف يؤول إليه موضوع الكتاب، ولما سوف تنقسم إليه فصوله وقضاياه المختلفة. ورغم ذلك، تقودنا بعض العناوين إلى درجة ما من اللبس التي تؤدي بالقارئ إلى العديد من التأويلات والتفسيرات المختلفة.
ويقصد بعض المؤلفين هذه الدرجة من الغموض واللبس، كما تفرض عليهم بعض الموضوعات التي يتناولونها هذه الدرجة ذاتها من الغموض وعدم الوضوح المباشر الذي يرتبط بغيرها من الموضوعات الأخرى.
يأتي كتاب «الجمهورية الصعبة، إيران في تحولاتها الداخلية وسياساتها الإقليمية» الصادر عن دار الساقي العام الماضي لمؤلفه «طلال عتريسي» أستاذ علم الاجتماع ومدير معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، مرتبطاً بتلك النوعية من الكتب التي تحير القارئ حول عنوانها الرئيسي، وتفتح شهيته نحو مسارات واسعة من التأويل والتفسير.
وتزداد الحيرة أكثر بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، حيث يبقى السؤال الرئيس للكتاب مفتوحاً على كافة التفسيرات والتأويلات المختلفة: ماذا يقصد المؤلف بتوصيف إيران على أنها «الجمهورية الصعبة»؟ خصوصاً إذا ما وضعنا في الحسبان أن ذلك التوصيف لم يأت في متن الكتاب سوى مرة واحدة في آخر سطر من أسطر الكتاب الذي تبلغ عدد صفحاته مئتين وسبعين صفحة من القطع المتوسط،.
حيث يرى المؤلف «أن ما حصل بعد سقوط العراق ربما يؤسس «لشرق أوسط جديد»، ولأمن إقليمي جديد، ولكن ليس بالضرورة على الطريقة الأميركية، إذ ستكون إيران في تلك التحولات كلها القوة الأبرز و«الجمهورية الصعبة» التي سيحتاج الجميع إلى التعاون معها».
يقدم الكتاب توصيفاً وتحليلاً موضوعيا إلى حد بعيد للتجربة الإيرانية، رغم وجود درجة ما من درجات التعاطف التي يمكن تلمسها من طرف الكاتب مع هذه التجربة. ولا يبدأ المؤلف من الوضعية التاريخية الحالية لإيران، لكنه يرتد بنا إلى نشأة الثورة الإيرانية الشعبية على يد الخوميني عام 1979.
وما صاحب ذلك من هيمنة فريق المحافظين طوال عقدى الثمانينات والتسعينات، قبل أن يظهر الإصلاحيون في الساحة لتبدأ تلك الصراعات فيما بين الفريقين، والتي أصبحت إحدى السمات الواضحة والمميزة للحالة الإيرانية المعاصرة.
يرصد المؤلف تحولات الحالة الإيرانية بدرجة كبيرة من الدقة جامعاً بين تحولات الداخل، وتأثيرات الخارج وموضوعاته المختلفة. فإيران، رغم التوحد الشعبي العام حول الأهداف العامة وقت الشدائد والأخطار، يحكمها ذلك الصراع الداخلي الذي يعلو في أوقات ويخبو في أوقات أخرى بين فريق المحافظين من جانب وفريق الإصلاحيين من جانب آخر.
فحتى عام 1989، استطاع المحافظون الاستفادة من زخم وصعود الثروة الإيرانية الإسلامية في الهيمنة على كافة مقاليد الأمور في إيران. حيث ساعدهم على ذلك وجود الخوميني في سدة الحكم، واندلاع حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق التي استمرت لمدة ثماني سنوات انتهت عام 1988.
ومع انتهاء الحرب، التي خسرت من خلالها إيران مئات المليارات من الدولارات، إضافة إلى التدمير الواسع المدى للعديد من المدن والقرى، ومقتل مئات الآلاف من الإيرانيين، تحولت دفة الأمور إلى الإصلاحيين، خصوصاً مع وفاة الخوميني في عام 1989.
ومن اللافت للنظر أنه مع صعود الإصلاحيين في إيران منذ عام 1989، ارتفعت دعاوى إعادة التعمير والبناء، والرغبة في تجاوز محنة الحرب المريرة مع العراق. حيث خفت وطأة وحدّة الشعارات الأيديولوجية للثورة الإسلامية، مقابل النهج البراجماتي الواقعي الذي استهله الإصلاحيون بدرجات متفاوتة وبأطر متباينة.
ومن الضروري هنا الإشارة إلى وجود تيارات وأطياف مختلفة داخل كل فريق من الفريقين. حيث تخلق هذه الاختلافات تعارضت وصراعات كثيرة وهو ما يصعب من فهم الخريطة الإيرانية، ويثير واحداً من تأويلات عنوان الكتاب الخاصة بالصعوبات المرتبطة بالتحولات الإيرانية الداخلية وما تمارسه من تأثيرات على السياسات الدولية والإقليمية الإيرانية.
إن من أبرز ما يثيره الكتاب من تحديات ترتبط بالجمهورية الصعبة هو ذلك الصراع المتواصل الذي لم ولن ينتهي بين المحافظين والإصلاحيين. فمع تولي هاشمي رافسنجاني رئاسة الجمهورية في الفترة من 1989 إلى 1997 اعتقد الكثيرون بداية التحول الإيراني نحو التحديث المدني، وبداية الاستغناء عن سلطة «الفقيه الولي».
وزاد من حجم هذا الاعتقاد تلك الإصلاحات الهائلة التي دشن بها رافسنجاني عهده، خصوصاً في مجال إعادة إعمار إيران بعد الحرب الإيرانية العراقية. ومع تولي محمد خاتمي رئاسة الجمهورية الإيرانية لفترة امتدت ثماني سنوات من 1997 وحتى 2005، ومع الإصلاحات السياسية والحقوقية الهائلة التي أطلقها طوال فترة حكمه.
أصبح الاعتقاد السائد أن إيران تسير نحو التحول من دولة رجال الدين إلى دولة الحكم المدني السياسي الليبرالي. ورغم كل هذه التصورات والاعتقادات فإن الأمر لم يسر على هذا المنوال حيث اختار الشعب بشكلٍ براجماتي التحول نحو الفريق المحافظ واختار محمود أحمدي نجاد في انتخابات عام 2005.
ورغم استمرارية هيمنة الشعارات الأيديولوجية للدولة الإسلامية الإيرانية، فإن انتخابات عام 2005 أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الشعب الإيراني، مثله مثل أي شعب آخر، قد تحكمه الأيديولوجيات لفترة من الوقت وليس طوال الوقت.
فالجيل الجديد من الشباب، الذي يمثل ما يزيد عن 70% من حجم السكان في إيران، لم يعايش تلك الفترات السابقة على الثورة الإيرانية الإسلامية بقيادة الخوميني، ولم يكابد القمع الشاهنشاهي، كما أنه لم يذق مرارة الحرب ضد العراق لمدة ثماني سنوات متواصلة.
لكنه الجيل الذي عايش تردي الأوضاع الاقتصادية، وشيوع الفقر والفساد في إيران، وتردي الخطاب الإصلاحي وضعفه وانقساماته. لم يرفع هذا الجيل شعارات الثورة الإيرانية وهو يُسقط الإصلاحي محمد خاتمي ويأتي بالمحافظ أحمدي نجاد بقدر ما كانت عيناه على من يمكن الوثوق به في محاربة الفساد والبطالة والفقر في إيران.
وهذه أيضاً إحدى تأويلات الجمهورية الصعبة التي يفسر الكثيرون تحولاتها بشكل أيديولوجي صرف بدون أن يتعاملوا مع مستجدات الواقع المعيش واحتياجات الشعب الإيراني المختلفة. ورغم هذه التحولات من النزعة الأيديولوجية الخالصة التي صاحبت الثورة الإيرانية لمدة عقدين من الزمان إلى النزعة البراجماتية الجديدة التي لا تقتصر على الحالة الإيرانية فقط بقدر ما تسم تحولات السياسة الكونية المعاصرة.
فإن الجمهورية الصعبة تحكمها تلك الأيديولوجيات المغالية في النزعات القومية التي تتسم بها معظم الدول ذات الحضارات القديمة الضاربة جذورها في أعماق التاريخ. وهو الأمر الذي يمكن من خلاله تفسير الكثير من السياسات الإقليمية الإيرانية.
رغم صحة القول إن إيران قد دفعت أثماناً غالية للكثير من القيود الخارجية المفروضة عليها، وبشكلٍ خاص من قبل الولايات المتحدة الأميركية. وهو الأمر الذي يقود إلى تأويل آخر يتعلق بمدى الصعوبات الكثيرة التي تواجهها الجمهورية الصعبة ذاتها.
فإذا كانت الجمهورية الإسلامية تواجه ذلك التمزق بين المحافظين والإصلاحيين، فإن الفريقين نجحا بدرجة أو بأخرى، رغم الاختلاف فيما بينهما، في التوحد ضد المخاطر الخارجية، وعلى رأسها الحصار الأميركي الضاري.
لكن الجمهورية الصعبة تعلم تماماً وتدرك بدرجة كبيرة مدى أهمية وضعها الجيوسياسي على أهم مسارات حركة الطاقة العالمية حيث مضيق هرمز والخليج العربي ودول آسيا الصغرى وبحر قزوين، وهو ما يفرض عليها المزيد من الصعوبات في الاختيار الدقيق للسياسات الخارجية في معالجة كل الصراعات المجاورة لها، وعلى رأسها الآن الوضع في أفغانستان والوضع في العراق.
لقد نحت إيران، بدرجة أو بأخرى، الأيديولوجيات الدوجماطيقية التي أسست عليها قواعد الجمهورية الإسلامية، وتبنت خيار الحياد الإيجابي بما يتفق مع مصالحها، وبما يجنبها المزيد من المواجهات الخارجية، والمزيد من الحصار الأميركي. ورغم ذلك، فإن إيران لم تتملص من كل الدعاوى الأيديولوجية.
بل إنها حولت هذه الأيديولوجيات الدعائية إلى وسائط براجماتية تمكنها من تعظيم مكاسبها وأرباحها، خصوصاً في كل من أفغانستان والعراق، وفي منطقة آسيا الصغرى، وهو ما يفتح تأويلاً جديداً خاصاً بالجمهورية الصعبة التي تستخدم الأيديولوجيا في سياق، وتستخدم البراغماتية في السياق نفسه، حسب درجة أرباحها ومكاسبها.
والشاهد أن إيران استطاعت استخدام هذه التحولات بين الأيديولوجيا والبراغماتية بدرجة كبيرة من النجاح، سواء في أفغانستان أو في العراق أو لبنان أو في مسألة الملف النووي الساخنة. لكن الأمر الذي لا يمكن تجاهله أنها تواجه مخاطر جمة، ومواجهات كثيرة سواء من خلال الصراعات الداخلية التي لا يخمد لها أوار، أو من خلال العداءات الخارجية الكثيرة المتربصة بها.
وهو ما يجعلنا نطرح أسئلة على قدر كبير من الأهمية تتعلق بمدى نجاح الجمهورية الصعبة في الاستمرارية في الجمع بين الخطابات الأيديولوجية الثورية وبين الممارسات البراجماتية النفعية المتصالحة. ومدى استطاعة الجمهورية الصعبة فك شفرات تلك الصعوبة، وتحويلها إلى حلول سهلة متوائمة مع جيرانها من ناحية ومع مقتضيات التحولات الدولية المعاصرة من ناحية أخرى. أسئلة كثيرة لا يمكن للمرء الإجابة عليها، لتظل معلقة في كنف المستقبل ومفاجآته، والله أعلم!!.
كاتب مصري