عندما دخلت القوى الاستعمارية البلدان العربية في بدايات القرن الماضي بعد انهيار السلطنة العثمانية، كانت المرأة تخطو أولى خطواتها خارج المنزل وتؤكد حقها في التعليم والعمل والمشاركة السياسية في مناهضة هذا الاحتلال.

وبالرغم من أن حركة المرأة العربية خلال القرن الماضي لم تنفصل عن حركة المجتمع ككل إلا أن الأفكار التي واجهتها كانت منفتحة على التغيير وإن لم تقطع مع الماضي، وكانت منفتحة على أفكار عالمية تدعو إلى ضمان حقوق المرأة الأساسية وإن لم تصل إلى حد القبول بالمساواة، كان الانبهار بالثقافة الغربية كبيراً وكانت أفكار التنوير تحدث اختراقا مهما في البنى التقليدية القائمة.

وإذا كان للاستعمار دور رئيسي في اهتزاز البنى الاقتصادية التقليدية، إلا أن أجدادنا وجداتنا شعروا بأهمية دخول بناتهم معترك الحياة وتغيير واقعهن وضمان لقمة عيشهن، بعد أن انفرطت الروابط الأسرية التي حكمت حياة النساء والرجال فترة طويلة من الزمن وأصبح تعرض المرأة لظروف اقتصادية واجتماعية لا ترحم واقعاً قائماً.

وقد انعكس ذلك بانتشار التعليم بين الإناث ودخولهن سوق العمل وامتهانهن مهنا جديدة في مجال الطب والهندسة والتعليم والمحاماة، كما انخرط بعضهن في حركات التحرر الوطني، وعلى الرغم من أن هذه الأخيرة أعطت النضال الوطني أولوية على أي شأن آخر بما في ذلك قضايا حقوق المرأة التي بقي الكثير منها دون حل.

إلا أن النساء انخرطن في النضال الوطني بكل شراسته وهناك العديد منهن من سقطن شهيدات دفاعا عن الوطن، وقد استطعن الحصول في معظم الدول العربية على حق التصويت والترشيح. لكن منذ ثمانينات القرن الماضي، بدأ الخطاب الموجه للمرأة يأخذ منحى آخر.

ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية في المجتمع العربي وانكفاء حركات التحرر التي طبعت منتصف القرن السابق، اختلفت شعارات المرحلة جوهريا في مضمونها عن السابق، وأصبح للنضال طابع ديني وبدأت الدعوات لعودة النساء إلى بيوتهن والاهتمام بالأسرة، رغم اختلاف حدة الخطاب المنادي بذلك بين طرف منفتح على التحولات بحدود وآخر أكثر انغلاقا.

واليوم تطرح في منطقتنا العربية مجددا أفكار تحررية بخصوص المرأة، إلا أن فظاظة المناداة بها من الخارج وما رافقها من احتلال عسكري همجي أحدث رد فعل سلبي ضد قضية المرأة، فجرى تشويه المنادين بحقوقها باعتبارهم أبواقا لهذه الأطراف الخارجية وأدرجت الأفكار المنادية بتحررها ضمن سياق الافتراء على الثقافة العربية والاستقلال الوطني.

كما زاد من الضغوطات الاجتماعية التي باتت تواجهها المرأة في مناطق الصراعات، الأمر الذي أساء للدعوة المخلصة لنهوض المرأة من منظور وطني وإنساني متين بحسب تقرير التنمية الإنسانية لعام 2005 الذي صدر مؤخرا تحت عنوان «نحو نهوض المرأة في الوطن العربي» والذي للأسف لم يلق الاحتفالية نفسها كتقارير التنمية الإنسانية السابقة.

والحال أن موضوع تحرير المرأة حظي بنصيب مهم في الأجندة الدولية المتعلقة بالإصلاح ومحاربة الإرهاب في المنطقة العربية، وهناك مؤسسات عديدة أنشئت للاهتمام بأوضاعها وبرامج عديدة استحدثت للتعريف بمشاكلها.

وعلى الرغم من أن الأجندة الدولية جاءت بحوزتها انتقادا لحال المرأة العربية يعتمد أحيانا على معطيات صحيحة، إلا أنه شابته تهيؤات وصور عن المرأة العربية مسيئة لمكانتها، وربما المرأة أكثر من غيرها تشعر بالمهانة حين يجري التعامل معها أو مع قضاياها بهذه الصورة النمطية وبهذه السلبية والأفكار المعلبة وهذا التبخيس بدورها والتجاهل لنضالاتها ولمنجزاتها.

لكن في المقابل، أين هي دعوات انكفاء النساء إلى المنزل من الواقع، وأين هي من معاناة المرأة تحت الاحتلال؟ فعندما تصبح الشراسة والوحشية التي يواجهها الرجال والنساء سواسية تحت الاحتلال على هذا المستوى من العبثية، وعندما تتناثر الأشلاء على وقع الانفجارات وتصل السكين إلى الأعناق ويزداد أهمية دور المرأة الاجتماعي والاقتصادي تحت وطأة التفتيت والتدمير، تتناثر عبثية هذه الدعوات في الهواء.

ثم أين هذه الدعوات من التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي مرت بها الدول العربية، إلا إذا كان المقصود منها تعميم الفقر والجهل والتهميش؟ كما أن الفصل مع الخارج لم يعد ممكنا في العصر الحالي حيث تعشش في المجتمعات العربية ثقافة وقيما وأنماط سلوك من خلال العولمة المتزايدة للمجتمعات العربية.

علما أن أفكار النهوض بأوضاع المرأة على مستوى العالم إنما هي نتاج لانجازات الحضارة الإنسانية. والمطلوب مشروع عربي لنهضة إنسانية تحقق للعرب جميعا نساء ورجالا منهم على قدم المساواة الحرية والعزة والتنمية.