بعد طول انتظار انتهي الدكتور أحمد الخطيب من كتابة مذكراته، حيث طبعت مؤخراً في بيروت، وتقوم «الجريدة»، وهي صحيفة كويتية تأسست قبل مدة وجيزة بنشر تلك المذكرات على حلقات يومية.

وللأسف لم يتسن لنا الحصول على نسخة من الكتاب كي نقوم بمراجعته مراجعة شاملة والتعليق على حيثياته المختلفة، فهي ليست لشخص عادي يمر الإنسان على مذكراته مر الكرام، بل هي لزعيم وطني قدم لبلده ولمنطقته الخليجية ولأمته العربية كل جهد ممكن للارتقاء بإنسانها كي يحيا حياة حرة كريمة.

ولم تكن عملية إقناع الدكتور أحمد الخطيب بكتابة مذكراته عملية هينة ويسيرة، فمنذ مدة طويلة يلح عليه أصدقاؤه ورفاقه ومريدوه ـ ومنهم كاتب هذه السطور ـ أن يسطر سيرة حياته لتكون نبراساً يحتذي به شباب هذا الجيل من الذين لم يكابدوا معاناة المراحل والظروف الصعبة التي واجهها هذا الرجل بعزيمة لا تلين.

ولتكن أيضاً سجلاً لأحداث أغفلها المؤرخون، إما لشح في المادة العلمية عن تلك الفترة، أو نأياً بأنفسهم في الخوض بمسائل قد تتطلب منهم اتخاذ مواقف. وإلحاحنا أيضاً على الدكتور أحمد الخطيب ـ أبا أسيل ـ كان ينطلق من زاوية أخرى وهو إنه بتسجيله لمذكراته.

فإنه من الناحية العملية يؤرخ للحركة الشعبية في الكويت خاصة وفي المنطقة العربية بوجه عام، تلك الحركة التي ما زالت تفاصيل تاريخها مجهولة عند السواد الأعظم من شعبنا بالذات جيل الشباب. فما نحن ننعم به من «نظام دولة الرفاه»، حيث ترعى الدولة الفرد من المهد إلى اللحد.

وما نتمتع به من حريات تمتد عميقاً في بنية المجتمع من دواوينه إلى مؤسساته التمثيلية، ما هي إلا حصيلة لتضحية ونضال العشرات من الرجال لعل أبرزهم الدكتور أحمد الخطيب.وفي مذكرات الدكتور أحمد الخطيب يمتزج الخاص بالعام، وإن كان مقتراً بالحديث عن نفسه مفضلاً إيراد مذكراته في سياق تاريخي يُشرك فيه مجموعة كبيرة من الشخصيات ما وسعه ذلك.

وهو لا يغفل أحداً من أولئك الذين ساهموا في نهضة البلد، بل ويقف من خصومه موقفاً موضوعياً إن أتوا بشيء يستحق الثناء والتقدير. والحق أن تواضع الدكتور هو الذي يدفعه إلى هذا المنحى في التقويم التاريخي، ويفرض عليه أخلاقيات في الكتابة قد لا تعجب المؤرخين الحرفيين الذين يريدون معرفة دور كل شخصية في صنع الأحداث معرفة دقيقة.

والملاحظ على المذكرات أن الدكتور لا يتطرق كثيراً إلى خلفيته العائلية سوى الحديث عن أبيه الذي كان يخرج مع جده لأمه في مهمات قتالية فتظل أسرته تتوجس خيفة على مصيريهما إلى أن يرجعا، وعن مأساته حيث أصيب في معركة «هدية» .

وأصبح معاقاً وقطع عنه راتبه الشهري، مما ألقى بعبءٍ ثقيل على كاهل والدته. ومثلما كانت الزوجة لا تسأل زوجها حينما كان يذهب في مهمة، فإن الوالدة المسكينة أصبحت لا تسأل ابنها حينما كانت تستشعر أنه ذاهب لمهمة كقيادة مظاهرة أو غيرها.

وهو أيضاً اقتضب بشدة حينما تحدث عن زواجه، وكان قد سبقه رفيقه الدكتور جورج حبش، الذي تزوج مبكراً. ولعل تردد الدكتور الخطيب في ذلك إنما بسبب رغبته في التفرغ للعمل السياسي، وأن لا تكون الأسرة نقطة ضعف للضغط عليه.

وكنت أتمنى أن يفصح قليلاً عن ظروف ذلك الزواج السعيد، الذي أثمر هناءً وعيشاً سعيداً وحياة زوجية ناجحة. فزواج الدكتور أحمد الخطيب كان بحد ذاته «نضالاً» ضد القيم والأعراف البالية. وقد روى لكاتب هذه السطور قصته قبل سنوات، وربما تأتي المناسبة في المستقبل لسردها.

وثمة لمسات إنسانية لا يمكن أن يتجاوزها المرء حينما يقرأ هذه المذكرات، وهي لمسات تذكر أبناء جيلنا بأيام الطفولة وبسني العوز والفاقة، وإن كانت طفولتنا وقد انطلقت الكويت في دروب الرخاء والغنى. فمنظر طابور الصباح، وأيدي التلاميذ الفقراء الممدودة ولونها البني الكالح نتيجة لنقص فيتامين باء وما كان يلقاه هؤلاء التلاميذ من عقاب ظناً من الأساتذة أن ذلك يعد من الإهمال وعدم المحافظة على النظافة.

وما أثار ذلك المنظر في وجدان الدكتور أحمد الخطيب بعد ذلك حينما علم أن ذلك اللون ليس بسبب الإهمال بل بسبب سوء التغذية الناجم عن الفقر والإملاق، أقول أن ذلك المنظر يذكرني بطفولتي وبطفولة الكثيرين من أبناء طبقتي الذين لم تكن سواعدنا وسيقاننا تنظف رغم أننا كنا نغسلها «بالليف البصري» ومن ثم كان العقاب ينزل بنا من غير جريرة سوى أننا فقراء!!

وهذه المذكرات تغطي فترة مهمة من تاريخ الكويت، وهي الفترة التي سبقت مباشرة ظهور النفط وتلك الفترة التي أعقبته، وما أفرز ذلك الحدث المهم من واقع اجتماعي لعل أبرز مظاهره اعتماد طبقة التجار على موارد الدولة بعد أن كانت الدولة تعتمد في مواردها على ما يقدمه هؤلاء التجار لخزينتها.

وقد أفرز هذا الواقع قيادة جديدة للحركة الشعبية، يرصدها الدكتور الخطيب بتفاصيلها ودقائقها كمشارك بصنعها. ويلجأ الدكتور الخطيب إلى نقد ذاتي حينما ينظر إلى تقييماته لبعض التجار الذين أصبحوا تحت رحمة الدولة وبالتالي قبلوا التعاون معها من قبيل الدخول في مجالسها المختلفة، إذ يعتقد الآن أن موقفه من هؤلاء كان قاسياً.

ويتابع الدكتور تتبع تطور المجالس الشعبية المنتخبة التي بدأت في عهد الشيخ عبد الله السالم والذي حكم الكويت منذ العام 1950، فضلاً عن ظهور الأندية الثقافية والرياضية والنقابات العمالية، وبروز الصحافة الكويتية ومساهماته بها. ويقدر الدكتور تقديراً عالياً مساهمة الشيخ عبد الله السالم في إرساء نهضة الكويت الحديثة، حيث ساهم بالدفع بتشييد مؤسساتها الدستورية وبالوقوف ضد أبناء الأسرة الحاكمة الذين كانوا يرون رأياً آخر.

ويسرد لنا الدكتور الخطيب نمو الحركة الشعبية في الكويت بالذات بعد العدوان الثلاثي في العام 1956 وبعد الوحدة بين مصر وسوريا في العام 1958، تلك الوحدة التي كانت حلماً بالنسبة للقوى القومية، ثم ثورة 14 تموز 1958 في العراق.

حيث ترأس الدكتور وفداً شعبياً كويتيتاً للتهنئة بعد نجاح الثورة بأسبوعين، ويروي كيف تنصل عبد الكريم قاسم من سؤال السيد جاسم القطامي عن موقفه من الوحدة. ثم فيما بعد مطالبات عبد الكريم قاسم بالكويت وموقف عبد الناصر القومي والمشرف في مناصرة الكويت.المذكرات التي ما زلت أقرؤها تباعاً تكتنز في ثناياها معلومات غزيرة، وما ذكرناه في هذه المقالة إنما هو غيض من فيض ولنا وقفات أخرى مع تلك المذكرات لنعطيها حقها من العرض والتحليل.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com