كثيرة هي العقود التي تحكم العلاقات بين البعض في شكلها الصوري الذي لا يستند على قانون، وكثيرة أيضاً هي المشاكل التي تبرز على السطح جراء «عدم قانونية» تلك العقود الموقعة وإن استلم الطرف حقه وإن شهد على ذلك شهود.
حالات لا شك أن أصحابها يعيشون قلقاً بين حق يوشك على الضياع وبين إثباته، وآخرون يسعون لانتزاع حقوق يرونها سلبت منهم، وبين هذه وتلك تشهد ملفات المحاكم قضايا من هذا النوع الذي يرى فيها كلا الطرفين نفسه على صواب ولا يتردد في المطالبة بحقه.
من بين تلك الملفات نطرح إحدى هذه القضايا التي نعتقد أنها تستحق وقفة وحلاً جذرياً ينهي المشاكل العالقة ويجنب الآخرين الوقوع فيها، نعرض القضية من خلال مأساة تعيشها مواطنة لم يقدر لها الزواج كانت تقيم ووالدتها في بيت والدها العتيق، ثم قامت بتأجير ذلك البيت واستئجار آخر أفضل منه ودفع الفرق وحين عرض عليها مالك البيت شراءه لم تتردد في الاقتراض من البنك هي وشقيقاتها لتأمين قيمة البيت الذي لم يكن يساوي آنذاك أكثر من 600 ألف درهم، دفعتها نقداً للمالك بحضور محاميه وأحد أبنائه وأحد أقاربها.
كان ذلك ـ وفق الأوراق ـ في 5/9/1993 ودون في العقد أنه لا يحق للمالك ولا لورثته المطالبة بالبيت أو الأرض وأقر أنه استلم حقوقه كاملة، مع حفظ حق المواطنة بتحويل البيت باسمها متى ما شاءت وسلمها النسخة الأصلية من الخارطة والملكية مقابل 5000 درهم دفعتها له طواعية، دون أن يتم تسجيل البيت باسمها.
وبعد عام وتحديداً في 20/9/1994صدر قانون يمنع بموجبه أي تصرف في الأراضي الممنوحة للمواطنين من دون إذن خاص من الحاكم بل يعتبر ذلك باطلاً، ليبقى الحال بذلك على ما هو عليه، راجعت المواطنة خلال تلك السنوات ديوان الحاكم مراراً لإثبات حقها، لكن لم تتمكن من فعل شيء، وحتى يطمئنها البائع على حقها في البيت أعطاها رسالتين بين عامي 2000و2003 يؤكد فيهما حقها وسعيه لدى السلطات للحصول على ورقة لا مانع حتى يتسنى له تسجيل البيت باسمها.
وبدورها أيضاً خاطبت الإدارة المعنية بالأمر في الديوان في عام 2006 وأوضحت أن البيت تستخدمه للسكن لا للاستثمار، وتأكدوا من صدق كلامها وجاءها الرد برفض تسجيل البيت باسمها، وراجعت دائرة الأراضي والأملاك وقدمت رسالة توضح فيها مشكلتها.
وفي يونيو الماضي توفي المالك لتجد المواطنة نفسها في مواجهة مع الورثة ومطالباتهم إياها بإخلاء البيت وعرضوا عليها المبلغ الذي دفعته قيمة للبيت (600 ألف درهم) وأن تعتبر البيت كأنه كان مرهوناً بذلك المبلغ أو أنه كان مؤجراً لها طوال تلك السنوات.
رفضت العرض خاصة وأنها أنفقت على صيانة البيت وإجراء التعديلات ما يزيد على 400 ألف درهم بل أكثر من ذلك وللخلاص من «دوخات» المحاكم عرضت على الورثة مبلغ 300 ألف درهم كي يتركوا لها البيت الذي لا تملك غيره ويؤويها ووالدتها ويوفروا عليها تعب القضايا والمحاكم.
ولكن كل الحلول من الجانبين ذهبت سدى وقضية الإخلاء مرفوعة أمام المحاكم، وقلق وأرق يعيشهما البعض، بين مواطنة لم تتمكن من الحصول على أي منحة من الحكومة باعتبارها ليست مطلقة ولا أرملة بل حتى القانون الذي يتيح لمن هن فوق الأربعين الحصول على مسكن شعبي لم يشفع لها، وبين ورثة لا ينكرون حقها فيما دفعت لأبيهم المتوفى لكنهم في المقابل يرفضون التنازل عن عقار يساوي اليوم الملايين.
حالة المواطنة ليست الوحيدة بل هي واحدة من الآلاف التي نتمنى أن تجد من ينهيها ويعيد الحقوق والاستقرار لمن مشى في درب لا يحميه القانون.
