أخيراً وقع المحظور الذي كان يحذر منه الجميع على الساحة الفلسطينية، وانفجر الوضع في قطاع غزة بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، واندلعت اشتباكات واسعة ومدمرة بين حركتي فتح وحماس، أكبر فصيلين في الساحة الفلسطينية. واستخدمت في الاشتباكات كافة أنواع الأسلحة التي يمتلكها الفصيلان وسقط أكثرمن مئة وعشرين قتيلاً، إضافة إلى المئات من الجرحى، من بينهم عدد كبير من المدنيين.

إنها الحرب المفتوحة التي لا يحكم فيها قانون الحروب أو المعايير الأخلاقية والإنسانية المتعارف عليها في الحروب والنزاعات الكلاسيكية التي تنشب بين الأعداء، مما يجعلها أكثر عنفاً وتدميراً وقسوة، لأنها تجري بين الأخوة الأعداء، وكونها حرباً أهلية تجري بين أبناء الشعب الواحد، وبين أبناء الحي الواحد، بل وبين أفراد العائلة الواحدة. وهذا ما يجعلها أكثر إيلاماً، وأخطر فتكاً، وأشد قسوة، من كافة الحروب التي خاضها الشعب الفلسطيني خلال العقود الماضية.

مسكين هذا الشعب الصابر الذي يجد نفسه مضطراً أن يتحمل هذه الحرب المجنونة، ولا يمكن أن تجد لها تبريراً أو قبولاً لديه، فمهما كانت الخلافات السياسية بين الحركتين عميقة وواسعة، فلا يمكن حسمها بالقوة المسلحة، وبالاحتراب والاقتتال وتصفية الحسابات القديمة والجديدة.

إن المسؤولية الوطنية والقومية والإسلامية تقتضي وبشكل فوري وأد هذه الفتنة والحرب المدمرة، قبل أن تقضي على وحدة هذا الشعب، وتعصف بمنجزاته الوطنية الكبرى التي حققها بدماء شهدائه وجرحاه، وبآلام وعذابات الأسرى والمعتقلين، ومعاناة المشردين والمبعدين واللاجئين.

هذه الحرب التي طالما انتظرتها وخططت لها إسرائيل وأعداء الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، لأنها لم تحقق انتصاراً لأي من الحركتين فحسب، بل لأنها هزيمة نكراء للحركتين وللمشروع الوطني وللشهداء الأبرياء الذين لم يبخل الشعب الفلسطيني الصابر أبداً على تقديمهم هدية للحرية والاستقلال والعزة الوطنية. وهكذا فإن المنتصر الوحيد في كل هذا الشر هو الاحتلال الإسرائيلي وسياسة شارون وحلفائه.

من هنا لا بد من التحذير من أن يتم توسيع هذه الحرب المدمرة، أو نقلها إلى الضفة الغربية، لا سيما وأن حسم الخلاف وإنهاء النزاع لن يكون عسكرياً أو بوسائل العنف أو باللجوء للاقتتال أو بالقرارات والحلول الإدارية العليا، لأن من شأن ذلك تدمير الوطن والمواطن وضرب الوحدة الوطنية وتقسيم الوطن وتكريس الانفصال بين شطريه وإلحاق الأذى والضرر الفادح بالمصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني ومنجزاته الوطنية والقضاء على تطلعاته وآماله بالحرية والاستقلال.

إن التوجه الجاد لحل الصراع والنزاع بين حركتي فتح وحماس عن طريق الحوار الديمقراطي الصادق والاحتكام للقانون ومن خلال الحلول السياسية التي ترتكز على المصالح العليا للشعب الفلسطيني، بعيداً عن المصالح الفئوية الضيقة هو مصلحة عليا للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

لقد أعلن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل استعداده لإطفاء النار المشتعلة في غزة والضفة الغربية، ولمد يده إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس مجدداً والاعتراف بشرعيته، وإلى حركة فتح التي أكد تمسكه بحكومة الوحدة معها. وقال في مؤتمر صحافي في دمشق المشكلة ليست مع فتح أو مع الأخ أبو مازن... نحترم شرعيته ولا أحد يجادل في شرعيته، هو رئيس منتخب سوف نتعاون معه من أجل المصلحة الوطنية.

وتابع لا غنى لنا عن حكومة وحدة وطنية، بالتراضي مع جميع القوى، موضحاً نريد حكومة مركزية تدير غزة والضفة، ومطمئناً إلى أنه لن تكون هناك حكومتان ولا انقسام للوطن. ودعا إلى موقف عربي رصين يقدم مظلة للحوار الفلسطيني، مشدداً على أن العرب ينبغي ألا يكونوا طرفاً في المشكلة بل جزءاً من الحل.

إن العودة إلى الحوار الجاد والصادق هو الطريق الوحيد لمنع تحقيق أحد أهم الأهداف الإسرائيلية بفصل قطاع غزة عن الشطر الآخر من السلطة الوطنية في الضفة الغربية، الفصل الجغرافي الذي بات فصلاً سياسياً بعدما تم الحسم العسكري لصالح حركة حماس في القطاع، وقيام حكومة الطوارئ في الضفة، والتي لا تمتلك أية قدرة لإنفاذ طوارئها على الشطر الآخر.

فالحسم العسكري المرفوض شكلاً ومضموناً، جوبه بخيار لا يقل خطورة يتمثل في الحسم السياسي، الذي يكشف عن ضيق الحيلة والإرباك القيادي الفلسطيني في مواجهة مخاطر الحسم العسكري، وبات الشعب الفلسطيني في مواجهة انشطار ميداني حقيقي لا يمكن تغليفه بشعارات الوحدة الوطنية أو أن حكومة الطوارئ ستعمل في الشطرين المنقسمين عملياً، وبالتالي يصبح الحوار أمراً لا مفر منه لا سيما بعد أن تهدأ النفوس عند الأطراف المختلفة.

وهنا لا بد أن نذكر بأن ازدواجية السلطة، أينما كانت وفي ظل أي نظام سياسي، مهما طال الأمر أو قصر، لا بد من أن تحسم في نهاية الأمر، وفي الغالب، تحسم عسكرياً إذا لم تحسم من خلال التوافق وصناديق الاقتراع. فهل هذا ما يتطلع إليه الشعب الفلسطيني؟ وهل هذا هو الحل الأمثل للقيادات الفلسطينية؟ إذاً فإن القيادات الفلسطينية أمام خيار وقرار تاريخي يتوقف عليه مستقبل القضية الفلسطينية ومصير الشعب الفلسطيني.

وقد يكون الخيار الأمثل أمام جميع القيادات الفلسطينية هو العودة للشعب الفلسطيني لحسم الخلافات الداخلية عبر صناديق الاقتراع الرئاسية والتشريعية لتدشين مرحلة جديدة مختلفة عن مرحلة ازدواجية السلطة، حيث كانت تلك الازدواجية، قبل الانتخابات التشريعية، تتمثل في سلطة، وفي معارضة مسلحة، لكن بعد أن دخلت حركة حماس إلى السلطة من البوابة الديمقراطية، باتت ازدواجية السلطة تأخذ شكلاً شرعياً.

وظلت ازدواجية السلطة مكرسة من خلال أجهزة الأمن وصلاحيات السيطرة عليها، وعدم قدرة القيادات الفلسطينية في الرئاسة والحكومة، في فتح وحماس، على معالجة الأمر، ما أدى الى جولات تناحرية من قتال وفوضى، وكان الخاسر الأساسي فيه القضية الوطنية والشعب الفلسطيني، رغم أن هذا التناحر جاء في ظل التهديدات والاقتحامات الإسرائيلية المتكررة والمتعاقبة سواء في قطاع غزة أو في الضفة الفلسطينية. وأتت الجولة الأخيرة لتحسم الأمر وتحل ازدواجية السلطة، عسكرياً، ما أدى الى الثنائية الجيوسياسية القائمة الآن في غزة والضفة.

إن الانتخابات الشاملة هي الحل الأمثل لمنع التقسيم الجغرافي وتكريس الواقع الجديد وتشتيت الشعب الفلسطيني المشتت أصلاً في جغرافيات عديدة داخل أرض فلسطين التاريخية وخارجها. فلنترك شعبنا في الداخل يقول كلمته الفيصل ويقرر مصيره عبر الوسيلة الوحيدة المتاحة لديه.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com