كثيراً ما تبهت ألوان صورة الوعي، وتختفي معالم جهات الإدراك الأربعة، وتضمحل مغناطيسية بوصلة الفهم، في تلوّث الإنسان بنفايات الممارسات الاجتماعية المنحرفة عن مسارها المعتاد، ولأن الرؤية أساساً لم تكن واضحة قبل أن ينزلق الأفراد جارفين معهم المجتمع بأسره ليخرج عن قضبانه، فإن رحلة البحث عن مخارج من هذه المآزق لإعادة الأمور إلى طبيعتها، كثيرا ما تبدأ هي أيضا من النقاط الخاطئة.

كانت صالة العرض تزدحم برواد السينما، أطفال وفتيان وفتيات في أعمار الزهور، ومعهم كبار في السن لا أحد يعلم إن كان الفراغ هو الذي جاء بهم، أم أنها الرغبة في مشاهدة عمل من أعمال الفن السابع، ويبدو أن أكثرهم جاؤوا من أجل الممثل (...)، فالفنانون من الممثلين والمغنين والراقصين .

ومن على شاكلتهم باتوا يحتلون مكانة خاصة في قلوب البشر لا يجدها حتى الأطباء والمعلمون والسياسيون والقضاة. جلس العامل البسيط (...) على مقعده في الصفوف الأخيرة ليشاهد الفيلم، ولكن الفيلم كان سيئا على خلاف ما توقع، وهذا ما أعطاه فرصة ليختلي إلى نفسه قليلا، داهمته فكرة إجراء عملية جمع حسابية لما يدفعه على شباك التذاكر كل سنة.

وعندما لمع الرقم في ذهنه عاد يتساءل، هؤلاء الفنانون الذين يزدادون في كل يوم ثراء وترفا، من الذي يدفع ثمن ثرائهم وترفهم غيره هو وأمثاله؟ كيف لم ينتبه إلى أنه يكدح من السادسة صباحا إلى الرابعة بعد الظهر، ثم يأتي لينحر أجره الضئيل قربانا على شباك التذاكر؟ أين تأخذ الأموال الطائلة التي يدفعها هو وأمثاله طريقها بعد ذلك إلا إلى جيوب حفنة من هؤلاء الفنانين والمنتجين؟ ثم ماذا جنى المجتمع من هؤلاء الذين يلتهمون شقاءه وتعبه هو وأمثاله؟.

عندما عاد (...) إلى مسكنه مستقلا حافلة النقل العام، ازدادت كآبته عندما وقع بصره على سريره المتهالك وثلاجته الفارغة أغلب الوقت؛ تذكر الفنانين الذين يعودون إلى مساكنهم الفخمة في سياراتهم الفارهة، وهم يرتدون ملابسهم الفاخرة التي تصممها لهم أرقى بيوت الأزياء في أوروبا، ويجلسون على طاولاتهم ذات ال 24 كرسيا ليتناولوا أصناف المأكولات والمشروبات. إحساسه بالمرارة في تلك الليلة جعله ينام تاركا على الطاولة وجبة العشاء السريعة التي اشتراها من المطعم الذي يقع في نهاية الشارع.

على نفس الشارع، يقع فندق (...)، حيث تتلألأ مظاهر الفرح، وتسيطر على الصالة الكبرى في الفندق أجواء من البذخ والإتيكيت والترف الأسطوري، وبينما الفرقة الموسيقية المشهورة تعزف أغانيها المكررة، جلست (...) مع صديقتها على طاولة في أقصى الصالة تراقب الحركة من بعد، المبالغة المفرطة في ماكياجها وملابسها كانت أوضح من أن توصف، مع ذلك لم تتمكن من كبح فضولها الجامح: ترى كم تكلف هذا الحفل؟

كم دفع الزوج أو أهل العروسين لاستئجار الصالة وحفل العشاء والحفل الغنائي للمطربة المشهورة (...) وملابس العروس وتصميم منصة الزفاف، بالإضافة إلى تكاليف الزهور والزينة والتصوير وبطاقات الدعوة والمجوهرات وصالون التجميل و.. و.. و..؟ ثم ما مجموع ما دفعه المدعوون من جانبهم استعدادا لحضور الحفل؟. كانت الإجابة جاهزة سلفا عند صديقتها: أنت تتكلمين يا عزيزتي عن رقم يتراوح ما بين عشرة إلى سبعة ملايين درهم. بادرتها (...):

وإذا كان يقام يوميا عشرون حفل زفاف في البلد، فكم ينفق الناس سنويا على حفلات الزفاف؟. شفتا صديقتها كانتا تتحركان بكلام لم تنتبه إليه، وغاصت في بئر ذكرياتها، وتراءى لها حفل زفافها الذي تكلف أقل من عُشر هذا المبلغ قبل خمس عشرة سنة، ثم ها هي تعيش مطلقة منذ مرور ثلاث سنوات من زواجها، بينما بضع مئات من الآلاف من مدخراتها ومدخرات مطلقها بالإضافة إلى دين البنك، كلها ذهبت هباء منثورا.

الساعة كانت تقارب الثامنة، وبينما المدعوات يتوافدن إلى صالة الحفل، كان الملعب الرياضي على الجانب الآخر من المدينة يستقبل الجمهور الذي سيشهد مباراة حاسمة. بعد أن استقر (...) هو وزميله على مقعديهما في الملعب بادره قائلا: لن تفلت هذه المباراة من أيدينا، فجهازنا الفني العالمي الذي يتقاضى (...) مليونا سنويا واللاعبين الأجانب الثلاثة الذين جئنا بهم مقابل (...) كراتب شهري لكل واحد منهم، أي عشرة أضعاف راتب أي عضو من أعضاء مجلس إدارة النادي.

أخذ زميله نفسا عميقا من سيجارته قبل أن يقول: حلال عليهم، أنا لم أر جدتي المريضة منذ أكثر من تسعة أشهر، وتركت مناوبتي الليلة لأحضر المباراة، يعني الفوز مسألة حياة أو موت، ولو كنت من أعضاء مجلس الإدارة للجأت إلى الساحر (...) أيضا ليصنع لفريقنا حرزا يضمن لنا الفوز، باختصار، إذا لم نفز في هذه المباراة ستكون بالنسبة لي كارثة أكبر من موت جدتي.

بعد 120 دقيقة من التشجيع والضجيج، والوقوف والجلوس، والأعصاب والأوداج المتشنجة، أطلق حكم المباراة صافرة النهاية، وخسر الفريق المباراة. كان (...) في قمة الشعور بالحسرة، فاستمر يكيل الشتائم ويهذي لأكثر من نصف ساعة عن الأرقام الفلكية التي صرفها النادي دون جدوى، وكيف أن فريقه لم يكن في مستواه المعهود الليلة، واللاعبون الأجانب لا يساوون رأس بصل في نظره، والمدرب لم يحسن قراءة المباراة. كان حينها يخفي شعورا داخليا ينتابه بالتفاهة وهو يتذكر الأغاني التي استمر يرددها في الملعب مع الجمهور على إيقاع الموسيقى.

كان نهر السيارات ينساب في بطء، قال زميله وقد أوقفهم الزحام المروري عند الإشارة الضوئية: ما رأيك لو ننفّس قليلا؟ كيف؟ سأله (...)، أشار زميله بوضع طرف إبهامه عند شفتيه المزمومتين، فهز (...) رأسه بالموافقة، ثم دوّى صهيل عجلات سيارته ذات الدفع الرباعي.

بعد أربع ساعات متواصلة، كان (...) قد دخّن معظم أنواع «المعسّل» التي يقدمها هذا المقهى لزبائنه، نظر إلى ساعته ونهض من مكانه، إنها الثانية بعد منتصف الليل، امتعض بعض الشيء وهو يتذكر للتوّ أنه لم يستعد لامتحان الرياضيات في الغد، وأثناء ما كان يدفع الحساب، وبنظرة خاطفة رمق الصندوق الذي يكاد أن يغص بالأوراق النقدية التي دفعها رواد المقهى من كدهم وعرقهم من أجل هذا السم، لم يبال كثيرا، فمصيبة واحدة تكفي لتلك الليلة، وغادر هو وزميله المكان.

قرابة الثالثة، وهو يأخذ طريقه نحو غرفته، لم يجد من يسأله عن سبب تأخره إلى هذا الوقت من الليل، فأمه لن تعود من حفل الزفاف الذي دعيت له قبل الرابعة وربما الخامسة فجرا، أما أبوه الذي طلّق أمه وهو في الثانية فلم يره في حياته؛ فاجأته الخادمة بسؤالها إن كان يريد عشاء، اكتفى بإشارة من يده على عدم رغبته، وأغلق باب غرفته، مرت فترة صمت قصيرة، ثم تلتها نوبة سعال حادة استمرت طويلا.

هذه المشاهد تعبير رمزي عن متلازمة الشوك والعنب، قد تتغير أشكال شخوصها وأسماؤهم، أما تفاصيلها فتتكرر كل يوم بحذافيرها، إنها في الواقع رسائل أو بالأصح أنين معاناة تحتاج إلى من يفك شفرتها أو أن يقرأ ما بين سطورها، ولكن هذه المهارة السهلة في ظاهرها، وحتى لا تبدأ من النقاط الخاطئة، تتطلب مخزونا من الحكمة.

ولأن هذا المخزون ليس له مستودعات أو مخازن خاصة، فإن الحكماء والعقلاء يظلون في جميع الأمم والحضارات والمجتمعات هم خزنة الثوابت والقيم والمبادئ الأخلاقية أو السلوكية أو الحياتية، وهم الذين يمثلون ضميرها وحضورها الحضاري في أي فترة من فترات التاريخ، وهم ذاكرة ثقافتها وتقاليدها وتاريخها، وحملة ميراث أجيالها السابقة للاحقة، وعلامتها الفارقة التي تميزها، ومحور قوتها وتماسكها عند الحدود الدنيا في أسوأ الظروف، وهم صمامات الأمان التي تستشعر الزلازل وهي بعد في مرحلة التشكل والتكوين، وترسم مسارات الخروج من بين الركام إن وقعت الكارثة.

وهذه النخبة المتميزة في أي مجتمع هم ذوو النظرة الثاقبة والفراسة التي تقيس متغيرات اليوم والغد على محكّ الأمس، وهم عباقرة استقراء المآزق ومخارجها، ولهذا يحظى الحكماء والعقلاء بمكانة خاصة في المجتمعات المتحضرة مهما ارتقت من درجات سلم الحضارة. وبهذا يؤدي الحكماء في المجتمع دور الكوابح (الفرامل) التي تحول بين السلوكيات المتهورة أو المبهورة ببريق الأهواء الفارغة، وبين ارتكاب الأخطاء والخسائر الفادحة، أو تقلل كثيرا من الأضرار الناشئة عنها.

ومع ذلك، يجب الانتباه إلى الخطوط الفاصلة بين الحكيم والشاطر، فالحكيم يتوخى الحذر والأناة ويتعلم من أخطاء الآخرين حتى لا ينزلق إلى مآزقهم، فإذا تغلبت عليه نزعته البشرية ووقع في شيء منها، فإنه يلجأ إلى الحلول والمعالجات الدائمة التي تقيه من الانزلاق إلى مأزق جديد. أما الشاطر فهو مشحون بالحماقة التي تؤزه على ركوب أقصى درجات المخاطرة، وعندما يهوي إلى قاع المأزق، عندها فقط يبدأ البحث عن الحيل الشيطانية التي قد تنقذه، وقد تتردى به إلى قاع مأزق آخر.

كاتب إماراتي