على الرغم من أننا أصبحنا نسمع بالتوطين ليل نهار، وعلى الرغم من كثرة البرامج وتعددها في هذا المجال على مستوى الدولة، إلا أننا مازلنا نسمع شكوى خريجين جامعيين من عدم وجود فرص عمل لهم، في الوقت الذي مازالت تستعين فيه الدولة بالكثير من الوافدين، لدرجة أصبحنا نشعر فيها بالعاطل يتحمل مسؤولية بطالته وكأن الآخرين من مؤسسات تعليمية وقطاع حكومي وخاص أبرياء من هذه الأزمة التي يعاني منها.

الخريجة فاطمة المعيني مثال على ضعف تأثير برامج التوطين ومعارض التوظيف التي تقام في الدولة. فقد تخرجت من جامعة الإمارات، كلية العلوم، تخصص علوم الحياة منذ سنتين، وكغيرها من الخريجين كانت تحلم بوظيفة مناسبة في تخصصها لتفاجأ بواقع يرفضها وكأن هذه الدولة بكل ما تشهده من نمو وتطور، وما ينتج عنه من زيادة عدد فرص العمل لا تملك فرصة عمل واحدة لها.

فهي فنية مختبر لكنها لا تجد عملا في دوائر الصحة ولا في وزارة الصحة، ومع ذلك لم يثنها هذا الرفض وما ترتب عليه من إحباط عن البحث عن فرصة عمل في (تنمية) وفي مختلف الشركات الخاصة والدوائر الحكومية التي تشارك في معارض التوظيف لكنها تعود كل مرة بخفي حنين. وتتساءل فاطمة بحرقة: نحن أبناء هذا الوطن، إذا لم تأخذوا بأيدينا ولم نلق الدعم من دولتنا الحبيبة فإلى من نلجأ؟ تساؤلها يأتي في محله لاسيما أن كانت هي وغيرها من العاطلين يسمعون ويقرأون شعارات رنانة حول التوطين فترتفع أسهم الفرح والأمل لديهم إلى أن يصطدموا بواقع يرفضهم ويجعلهم عاطلين.

الخريجون العاطلون عن العمل منذ سنوات لا ينبغي أن يتحملوا مسؤولية البطالة وحدهم، إذ أن هناك مؤسسات تعليمية وقطاعات حكومية وخاصة ساهمت في الوضع الذي يعاني منه الخريج العاطل. المؤسسات التعليمية يفترض أنها تهتم باستقطاب خريجي الثانوية العامة لتخصصات يحتاجها سوق العمل، ويفترض أنها توقف قبول الطلبة في تخصصات لم تعد فرص العمل فيها ممكنة، ويفترض أن تتواصل مع القطاع الحكومي والخاص لتدرج حاجته الفعلية فيها.

أما إذا كانت لا تقوم بذلك كله فهي تتحمل بالدرجة الأولى مسؤولية هؤلاء العاطلين. أما الأمر الآخر الذي نريد الإشارة إليه أيضاً فهو مسألة «الاكتفاء» التي يصرح بها بعض المسؤولين. فهؤلاء يقولون إن المؤسسات الحكومية تشبعت ببعض التخصصات، وفي الوقت نفسه نجدها تستقطب موظفين من غير المواطنين في التخصصات نفسها، فكيف نقتنع بما يصرحون به؟ كما إننا لا نستطيع الاقتناع بدعوة مسؤولين آخرين إلى تحميل القطاع الخاص مسؤولية توظيف المواطنين، في حين أنهم لم يبادروا إلى إحلال المواطن في مؤسسات مازال يعمل فيها وافدون.

نحن بحاجة إلى وقفة صريحة لمراجعة الإجراءات والقواعد المطبّقة في مؤسساتنا التعليمية وسوق العمل لتصحيح الأوضاع وبلورة إستراتيجية شاملة تسدّ الثغرات في مسألتي البطالة والتوطين. الانفتاح الاقتصادي في الدولة ينبغي ان يفرض نوعاً من التوازن في فرص العمل تميل كفته لصالح أبناء الوطن.

قضية التوطين ليست مجرد إيجاد وظائف للمواطنين، إنها تتعدى ذلك إلى مسألة استقرار نفسي واقتصادي للأفراد تنعكس بدورها على مستوى الأمن والاستقرار في الدولة، وهي كقضية مازالت بأيدينا مادمنا نملك الخيارات لتمكين المواطن. ولكن اذا اكتفينا بالوضع القائم ولم نضع سياسة وأهدافاً عامة توحد وتنسق بين جهود مختلف الإمارات في التوطين، وتسهم في تعيين المواطنين فربما نخسر قضية التوطين كما خسرنا قضايا أخرى كالتركيبة السكانية والهوية المحلية.

وعندها سنجد أبناءنا محبطين منكسرين لا نملك حق توجيه اللوم إليهم إذا ما وجدناهم يتحولون إلى مصدر إزعاج أمني، وما تحاربه المجتمعات من ظواهر راح الشباب ضحية لها بسبب ما يعانونه من فراغ وإحباط كبيرين لا ندرك تداعياتهما، لأننا لا نعطيهما حقهما من القلق المشروع ليس على مستقبل شباب، بل مستقبل وطن وأمة بأكملها.

maysaghadeer@yahoo.com