بسرعة قياسية هرعت واشنطن إلى رفع الحصار واستئناف المساعدات إلى الحكومة الفلسطينية. كذلك فعل الاتحاد الأوروبي بمجرد الإعلان عن تشكيل حكومة الطوارئ، سقطت الاعتراضات، ليحل مكانها الدعم والتأييد. كما سقط الحظر عن الاتصال والتواصل الدبلوماسي، مع الجانب الفلسطيني. طبعاً، فك أية مقاطعة عن الوضع الفلسطيني، يدعو إلى الترحيب. إنهاء الحصار الذي اكتوى الشعب الفلسطيني بناره، لأكثر من سنة، يبعث على الارتياح، خاصة وأنه كان خطوة جائرة من الأساس. لكن ما يثير التساؤل هو أن السلطة الفلسطينية التي حظيت بهذا الانفتاح السريع هي ذاتها السلطة التي عانت من القطيعة وتداعياتها.

والرئيس عباس، الذي أعيد فتح حنفية الدعم لحكومته، هو نفسه الذي ساهمت الإدارة الأميركية في تكبيل يديه. هو نفسه الذي سكتت واشنطن عن سياسة العرقلة والتخريب عليه، التي مارستها إسرائيل إزاءه، بحيث منعته، عملياً، من تحقيق أية خطوات أو مردودات؛ يمكن أن تشكل انجازات، تعزز وضعه وتزيد من الالتفاف الشعبي حوله وحول خياراته السياسية.

الذين رفعوا العقوبات يعزون هذا التطور إلى المستجدات التي شهدتها الساحة الفلسطينية مؤخراً. يقولون إن المانع قد زال، بتأليف حكومة جديدة غير الحكومة التي ترأسها «حماس». لكنهم تعمّدوا ـ الأميركيون ـ تجاهل ازدواجية الحكومة. الأمر الذي يبطن نوعاً من التشجيع الضمني للوضع الثنائي؛ مع ما ينطوي عليه ذلك من تشجيع للفصل بين الضفة وغزة.

ويمثل ذلك الصيغة المثلى لإسرائيل، التي بدأت وزيرة خارجيتها الترويج لها.خلال لقائها أمس مع سولانا دعت ليفني إلى «ضرورة تعزيز الفصل السياسي والجغرافي بين غزة وبين الضفة التي تخضع للسلطة الوطنية»! الأوروبيون، على ما يبدو، رفضوا. بل انهم حذروا من سياسة الفصل هذه. لكن تل أبيب تراهن على واشنطن في هذا الخصوص. أولمرت الموجود الآن في واشنطن يعمل على تسويق فكرة «الدولة في الضفة» وشطب غزة من المعادلة.

الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، كان واضحاً في هذا الشأن. فهو شدد، وكذلك الحكومة، على وحدة الأرض والقضية الفلسطينية وفي مكالمة هاتفية مع الرئيس بوش، أول من أمس، دعا هذا الأخير إلى حث إسرائيل على استئناف التفاوض في أقرب وقت؛ لإحياء «عملية السلام» والعودة إلى فكرة الدولة الفلسطينية فوق التراب الفلسطيني، في الضفة والقطاع. وفي ذلك رد استباقي على الترويج الإسرائيلي لمبدأ التقسيم.

أحد جوانب الفجيعة لما حل من انشقاق أمني وسياسي، في الوضع الفلسطيني أنه قدم لإسرائيل ما يشبه الهدية. في أحسن الحالات أعطاها ورقة لتعزيز طروحاتها وتسويق سياساتها، الهادفة في الأصل، إلى تعميق وتوسيع الشرخ في الساحة الفلسطينية. من البداية راهنت على وقوع ذات البين بين أصحاب القضية الواحدة.

المطلوب الآن منعها من قطف الثمرة. ولا يكون ذلك إلا بالإصرار على وحدة الأرض وبالتالي الحل القائم على الدولة الفلسطينية الواحدة. وهنا أيضاً مربط الفرس بالنسبة لواشنطن. وحتى ذلك الحين لابد من التعامل بحذر مع اندفاعها المثير للشكوك في دعم السلطة الفلسطينية.