لا تمثل اللغة في التصور السوسيولوجي أداة أو كياناً منفصلاً عن السياق العام القائم: الثقافي والاجتماعي ولربما السياسي. إنما هي بما تحمله من رموز وتعبيرات ومضامين تعكس حالة الفضاء الاجتماعي والثقافي الذي هي جزء منه. ونحن في توظيفنا لها، أي اللغة، واستخدامنا لتعبيراتها، لا ننفصل عما يحمل هذا السياق من مضامين، بل إنها لا تنفصل عما شَكَله ويُشكله هذا السياق من توجهات معرفية واتجاهات اجتماعية في أفراده.

ولغتنا في واقع أمرها تعبر عن هذا السياق بل إننا نُحمل اللغة، التي بها نتواصل ونعبر بها وعبرها نعبر عن هواجسنا ومواقفنا، وبها نعبر كذلك عن مكونات هذا السياق المتشكل في عقولنا ومركبنا الشخصي، بل انها تعبر أحيانا عن جزئيات هذا المركب العجيب الذي نحاول أن نخفيه في حالات الشعور إلا أنه يفصح عن مخزوننا اللا شعوري في تعبيراته غير المباشرة.

وقد تنبهت بعض الدول للتوظيفات العصبوية ولربما الشوفينية للغة فَحَرَمت أي تعابير أو أقوال تحرض على نفي الآخر أو ازدرائه، وتحديدا تلك التي قد يشتم منها رائحة ازدراء الآخر القائم على الدين والعرق. وكما في لغتنا، فإن في الثقافة اللغوية الغربية تحمل هي كذلك الكثير من التعابير والألفاظ التي القول بها، يختصر مصفوفة معقدة من المعاني والمواقف الاجتماعية والثقافية.

فتعبير مثل «صحيح إنك يهودي» يختصر لنا وعند الأوروبيين تاريخا من الصراع والإرث الثقافي والديني المزدري لليهود، وأنه يكفي النطق بها في أوروبا أن تُدخل صاحبها تحت طائلة القانون. وبالمقابل فإن لغتنا اليومية في المنطقة العربية تزخر بالكثير من التعابير والأقوال المشابهة عن الآخر الديني أو الأثني ولربما أحيانا الاجتماعي، التي يسوقها البعض على سبيل النكتة، إلا أنها تختصر الكثير من المواقف الاجتماعية- الثقافية المزدرية للآخر المختلف.

وتوظف اللغة أحيانا بشكل تعسفي في وصف الجماعات والأحداث والمواقف، بتعابير تبدو في ظاهرها إيجابية أو حيادية، إلا أنها في مضامينها تحمل دلالات اجتماعية وتوجهات ثقافية إزدرائية للآخر. وبشكل عام فإننا في توظيفنا للغة كأداة للتواصل والوصف نحو منحى التعميم لا التخصيص.

فالفرد وفق هذا السياق لا يمثل حالة منفصلة عن الجماعة وإن الجماعة لها من المواقف المشتركة بحيث انها تمحو عنها أي مواقف فردية وكأن الأفراد في أي جماعة كانت، كما يقول ياسين الحاج، يتخذون مواقف متماثلة إن لم تكن متطابقة وكأن الجماعة موحدة السلوك والتفكير ولربما الإرادة. فسلوك الأفراد وأفعالهم ليست هي خاصة بهم وإنما هي تعبير عن ذلك السلوك الجمعي الضمني الجامع لهذه الجماعة.

فإذا ما بدر من أحدهم سلوك أو موقف ما خرج هذا الفعل من حالتها الفردية إلى عموم الجماعة. بل إن بعضا من الألفاظ والتعابير الموظفة في بعض الكتابات الصحافية المحلية والعربية تذهب إلى الأبعد من ذلك، في حالة أقرب إلى «الهيجان العاطفي» المنفلت من عقاله والقائم على التحريض والتجييش، بل والنفي المطلق للآخر والدعوة لعزله أو التضييق عليه.

وتبدو هذه الصورة واضحة في تلك المجتمعات التي تعيش قدرا من صراع القوة المشحون بجرعات قوية من «الطأفنة والأثننة» والتي تبدو جلية وواضحة في لغة بعض معارضي النظامين العراقي والسوري ومن بعض اليساريين الشوفينيين وبعض الإسلاميين وتحديدا من الجماعات السلفية المتطرفة ومن بعض المحسوبين على حزب الإخوان المسلمين المعارضين للنظام السوري الذين يعيشون هناك في الغرب أو في بعض مناطق الخليج.

فأخطاء النظام السوري مثلا لا يتحملها النظام نفسه أو بعض رموزه وإنما تتحمل مسؤوليتها كل الطائفة العلوية التي قد ينحدر منها بعض من المؤثرين في النظام السوري من القادة السياسيين والعسكريين. لذا تبدو اللغة الموظفة هنا تحمل قدرا من التعبئة والازدراء ضد الطائفة التي ينتمي لها بعض رموز النظام وليس للنظام نفسه، أي اختصار النظام في الطائفة، وبالتالي إعطاء صراع القوة جرعة مذهبية بقصد خلق حالة من الاستنفار والاستقطاب الطائفي.

وبالمثل فإن إذا أخطأ حزب الدعوة أو المجلس الثوري الإسلامي أو جيش المهدي في العراق أو غيرها، وبفعل توظيفنا للغة الجماعة، بات يتحملها كل الشيعة العراقيين وليس جماعات سياسية شيعية إسلاموية بعينها. كما أن بعضا من الشيعة العراقيين مازالوا يحملون السنة العراقيين كل ما حل بهم من أخطاء نظام صدام حسين السابق وتعامله الفاشي والدموي مع سكان الجنوب أو الشمال العراقي. وبات بالتالي ما يحدث في العراق الآن وكأنه في بعضه أو جله انتقاما من حقبة سابقة، بل أنه بدا وكأنه انتقام من انتقام أو انتقام لانتقام مضاد.

وباعتقادي فإن هذه المواقف وغيرها لا تعبر في جوهرها عن اختلافات دينية أو فقهية محددة، وإنما هي في واقع أمرها تمثل تعبيراً حقيقياً عن تلك الاختلافات السياسية المغلفة بالدين وعن الصراع المحتدم بين هذه الجماعات على تركيب القوة وحصص توزيعها، والتي يتم نقلها عبر اللغة، أحقاد وأحقاد مضادة من طائفة أو جماعة أثنية نحو أخرى.

فكلمات مثل «الروافض» ومقابلها «النواصب» و«الصفويين» و«الهلال الشيعي» و«المثلث السني» وغيرها من التعابير التي بتنا نسمعها على ألسنة بعض الساسة وفي كتابات بعض من « الكتبة والمُستكتبين» و«المتصحفنين» و«المتفقهنين» بعض من عامة الناس، تعبر عن هذا التوظيف الطائفي بل والعنصري للغة، وهي الأداة التي اخترعها الإنسان للتواصل مع الآخر فباتت على يد هؤلاء أحد أهم أدواته في تدمير المجتمع وشرذمته.

وتبدو هذه المواقف واضحة في تلك الأفكار والمواقف التي نحملها عن الآخر ونعبر عنها في لحظات الشعور واللا شعور. وهي سمة لا تقف عند العاملين بها أو الداعين لتأصيلها في السلوك والممارسة العربية من أصحاب الهيجان العصبوي وإنما تشمل كذلك غير القائلين أو الفاعلين بها، بل بعض الرافضين لها. فمثلا ما زال البعض منا يصف الآخر العربي المسيحي بالصليبي والذمي.. ويرى فيهم أو في بعضهم رأس حربة «الغرب الصليبي» على المستوى الفكري والسياسي، بل يمتد هذا عند البعض لاعتبارهم طابورا خامسا يعمل ضد مصالح الأمة العربية.

فهروب أحد الطيارين العسكريين المسيحيين العراقيين لإسرائيل في السبعينات القرن الماضي، كان كافيا لنفي المسيحيين عن قيادة الجيش العراقي بل وفي بعض الدول العربية نفي حضورهم فيه. وكلنا يتذكر بعض المقالات الصحافية العربية التي جاءت في ذم المسيحيين اللبنانيين أبان الحرب الأهلية اللبنانية، أو الآخرى التي ترى في أن ترويجهم للفكر القومي محاولة «مسيحية غربية» للقضاء على دولة الخلافة العثمانية الإسلامية.

بل أن هناك من يعتقد جازما ان الغرب هو الذي يحمي المسيحيين العرب، بنفس الطريقة التي تحاول فيها بعض الكتابات وتصريحات بعض الساسة العرب من ربط الشيعة العرب بإيران. وتعكس هذه اللغة، المضامين التحريضية لهذه اللغة والنظرة التي يحملها بعضنا عن البعض الآخر: فكثيرا ما تسمع في وصف لمفكر مسيحي بالقول «مسيحي بس وطني» وكأننا بذلك ننفي عن المسيحيين العرب المسألة الوطنية ونقصرها في غيرهم من المسلمين. أو قول البعض «مسيحي بس كويس» وكأنما مفروض على المسيحي أن يكون سيئا. وبالمثل يمتد ذلك في قول بعضنا في وصفه للآخر الإسلامي:

سنة وشيعة، كأن يقول الشيعي في وصف السني بالقول «سني بس وطني» وكأن الوطنية حكر على طائفة دون أخرى أو القول «شيعي بس معتدل» وكأن كل الشيعة متزمتون أو ان التزمت والاعتدال خاص بطائفة دون أخرى، أو القول إن «كل السنة موالون» وكأن المولاة أو المعارضة حكرا على طائفة أو جماعة بعينها دون الآخرى، أو أنها متأصلة في هذه الطائفة دون الطوائف الأخرى.

وتنسحب هذه الحالة على كل التقسيمات المذهبية والطائفية القائمة في عموم المنطقة العربية بين المسلمين والمسيحيين من ناحية وبين الطوائف الإسلامية المختلفة وتحديدا السنة والشيعة من ناحية أخرى. وهي حالة غذتها اللغة المكتوبة والمسموعة والمرئية ،أي المسموعة والمرئية ذات الوقع الأكبر، عبر الفضائيات العربية المختلفة التي باتت بعضا من مصاحباتها، وفي غياب المسؤولية الأخلاقية عند البعض من الأفراد والتنظيمات والحكومات، تدميرية على نسيج المجتمع العربي.

كاتب بحريني