لا لن أكون صوتاً إضافياً مندداً بالجريمة النكراء التي أودت بحياة نائب في مجلس النواب اللبناني وبنجله وبثلة من الأبرياء، فلبنان لا يحتاج إلى شعارات، والى بيانات، والى تصاريح جوفاء، وخطب رنانة فارغة الشكل والمضمون، والشعب اللبناني، لا يعوزه هذا الكم من كلمات التنديد المناسباتية والجاهزة، ليس هذا المطلوب.

ولم تكن الشعارات والخطب مطلوبة إزاء الأحداث الكبرى، والمصائب الكبرى؛ فالبيانات، والتصريحات، لم تفضِ إلى نتيجة عبر التاريخ اللهمّ إلا المساهمة في نكأ الجراح، والوقوف على أطلال حلول مرتجاة، لا تولد، ولن تولد من رحم عاقر، عقيم، فكفى، فهل تعيد الخطابات قادة إلى شعوبهم، وهل تعيد التصريحات أبناءً إلى أمهاتهم، وهل تستعاد الروح البشرية عبر بيانات ساخطة، ساخنة تصدر عن هذه الجهة، أو تلك.

كلمات، وكلمات، لا صدى لها، ولا أثر، ولا مردود، لن تقدم أو تؤخر في رد مكروه قادم، ولم تؤثر سابقاً في حجب شر لا يستقيم معه سوى الردع، والوأد، والفعل، والقرار الشجاع، قرار الرجال.أكتب هذه الكلمات، ويجتاحني إحساس عميق بالحزن على الجرح العربي المفتوح من لبنان، إلى العراق، مروراً بفلسطين.

وأشعر بإلحاح بضرورة التحرك لإخماد ما يمكن إخماده من الحرائق التي تكوي أفئدتنا وضمائرنا، لذا سأكون مباشراً، وصريحاً، وربما جارحاً في خروجي عن مألوف رد الفعل العربي الذي تحوّل في أساسه إلى بيانات لا تجيد سوى لغة الندب، والرثاء، وتعداد الخصائل، إن صراحتي قد تتجاوز حدود الكلام الدبلوماسي، واللياقات المفروضة، لأن الحدث، لأن الجرح، والنزف يتسع، ولا يجد من يحاول إحداث ثغرة في الأبواب الموصدة للحلول، لذا فلن أناشد الجامعة العربية التنادي لعقد إجتماع لها، سواء على مستوى وزراء الخارجية أو أي مستوى آخر.

فهذه الجامعة ـ أستميحكم عذراً ـ أن أقولها، عاجزة عن إتخاذ أي قرار، وهي مصابة بإنهاك مزمن يستحيل معه الإستبشار بأي بادرة تصدر عنها وتؤدي إلى التصدي للخطر الزاحف نحو عالمنا العربي من كل نواحي الأرض؛ لذا، سأتوجه إلى قادة الوطن العربي إلى المملكة العربية السعودية، ومصر، والأردن، والإمارات، أتوجه إلى القيادة الواعية، المدركة، المسؤولة في هذه الأقطار العربية لتنقذ لبنان.

ولتدعم الدولة اللبنانية بكل أشكال الدعم المالي والعسكري والمخابراتي حتى، لتمكين لبنان من حماية أمنه، واستقلاله، وحدوده، وشعبه، وسلمه الأهلي، حتى لو كان هذا الدعم يتطلب من قادة العرب التدخل العسكري الفوري والمباشر، فهذا البلد الصغير، والجميل، هو وديعة عربية بإمتياز وهو يعاني في سبيل الإمساك بمقدراته الأمنية والعسكرية، والسياسية على الرغم من محاولات صادقة وإن كان يشوبها بعض التردد.

ولا أقول إن الدولة في لبنان عاجزة كلياً عن الإمساك بكل مفاصل الحياة العامة، إلا أن حجم القوى الخارجية وبعض عوامل الداخل تتطلب من قادة العرب الفعليين التدخل لمساندة الدولة اللبنانية في بسط سيادتها الناجزة على أراضيها وأمنها ومقدراتها.

فوسط هذا التداخل بين الخارج والداخل، وبفعل العوامل المعروفة في لبنان والتي لم تعد سراً يبدو هذا البلد الحبيب مرشحاً للمزيد من الشروخات إذا لم يتخذ قرار عربي فوري وتحديداً من دول مجلس التعاون الخليجي في المساندة الكاملة للبنان، والتدخل الفوري الميداني لرأب هذا الصدع الذي يهدد وينذر بشرور مستطيرة.

فلبنان يقع تحت خط صراع إقليمي دولي وداخلي، ولا يفيد هنا إلقاء اللوم فقط على العوامل الخارجية للتخفيف من غلواء وخطورة الوضع الداخلي، فالعوامل الخارجية في أي وطن، لا يكون لها كبير الأثر، إذا لم تجد المناخ الداخلي الملائم والخصب.

فليس معقولاً أن تتحرك يد الإجرام في لبنان بكل هذه الحرية والفاعلية، إذا لم يكن لها موطئ قدم وأكثر في لبنان، ولا أريد أن أقول إن لها دعاة ومريدون، ومروجون أيضاً.

فعملية اغتيال النائب وليد عيدو، لم يكن لها أن تنفذ بهذه الدقة، لو لم تكن عقول الإجرام تستند إلى بؤر داخلية، هذا في حال إفترضنا أو سلمنا جدلاً، بأن التخطيط والتنفيذ في هذه العملية هو خارجي محض، إذن لا بد من عملية قيصرية، عملية استئصال شاملة، عملية مقاطعة وعزل لكل جهة عربية أو أجنبية تتدخل لإفتعال أو إحتضان عوامل التفجير والإنقسام في لبنان، وهذه مهمة ليست بالمستحيلة، إلا أنها تتطلب قراراً، وأسمح لنفسي ونيابة عن الإخوة اللبنانيين أن أقول، إن الدولة اللبنانية لا تستطيع منفردة وبقدراتها الخاصة، أن تستأصل هذا الورم السرطاني في أنحاء بلادها، ولا بد من تدخل عربي فوري.

وعلى الرغم من أن القادة العرب وخاصة في السعودية ومصر والأردن والإمارات، لم يتركوا سانحة تمر إلا وعبّروا خلالها عن قرارهم بحماية لبنان ومساعدة شعبه، إلا أن هذا القرار الكبير، القرار الفعلي بوضع لبنان على جادة السلام، يبدو اليوم في غاية الأهمية والضرورة.