«قاض أميركي يطالب مغسلة بتعويض 54 مليون دولار لفقد بنطاله». هذا ملخص خبر تناقلته وكالات الأنباء وبعض وسائل الإعلام الأخرى خلال الأيام الماضية.

أما التفاصيل فجاء فيها أن قاضيا أميركيا يدعى روي بيرسون تقدم بدعوى قضائية في العاصمة الأميركية الأسبوع الماضي، ضد مغسلة ملابس يملكها مهاجرون كوريون بحجة أنها «تعلق لافتة تفيد ضمان رضى المستهلك، وأن هذه اللافتة خدعت الزبائن من أمثاله». ووفقا لحسابات المدعي الأميركي فإن هناك 12 انتهاكا على مدى 1200 يوم (منذ 2005) مضروبة في ثلاثة متهمين، وأن قيمة الانتهاك عن كل يوم هي 1200 دولار، وعليه فإن إجمالي المبلغ المطلوب يبلغ 65 مليون دولار، قبل أن يخفضه إلى 54 مليونا (فقط)!

إلى هنا والخبر يبدو عاديا، لا يخرج عن إطار الأخبار الطريفة والخفيفة. لكن، ماذا لو طبقنا هذا المنطق القضائي الأميركي على انتهاكات وقضايا أكبر حجما وأعم ضررا؟

ماذا لو استخدمنا القياس ذاته على لافتة «نشر الحرية والديمقراطية» التي استخدمتها الولايات المتحدة في غزوها للعراق منذ 21 مارس 2003 وحتى اليوم، أي على مدى 1552 يوما؟ وكم ستكون التكلفة عن كل يوم من هذه الأيام وما بعدها؟

وكيف سيكون الأمر بالنسبة لفلسطين التي اغتصبت عمليا منذ وعد بلفور عام 1917؟ بل ماذا عن ثلثها الأخير وباقي الأراضي العربية الأخرى التي احتلت عام 1967 وما زالت محتلة حتى الآن؟ ولن نطيل هنا بتعداد الأيام على مدى تسعين أو أربعين عاما، فعدد السنوات يكفي ويزيد.

والأمر في هذا كله لا يتعلق بانتهاك قوانين محلية فحسب، كما هو الحال بالنسبة لمغسلة صاحبنا، وإنما هي انتهاكات واعتداءات صارخة ومستمرة على المجتمع العالمي وضد القانون الدولي، بما فيه قرارات الأمم المتحدة والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فضلا عن انتهاك القوانين والقيم الإنسانية والأخلاقية.

وليست هذه إلا بعض الأمثلة على ما تعرضت وتتعرض له أمة بكاملها على مدى عقود من الزمن، دون ذكر ما سبق ذلك من قرون، فالواقع أن المنطقة العربية منذ أكثر من نصف قرن تعاني من الانتهاكات والاعتداءات، الغربية عامة والأميركية خاصة، على حقوقها ومصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية والجغرافية، بما في ذلك التدخل في شؤونها الداخلية وإثارة النعرات والصراعات بين أهلها ومواطنيها وتهديد كياناتها ووجودها، فمن أين نطلب التعويض؟ وأمام أي محكمة نستطيع أن نقاضي المنتهكين والمعتدين؟

وكيف يمكن أن نحدد حجم الأضرار ومبالغ التعويضات؟لقد سبق أن قدمت قضية جدار الفصل العنصري في فلسطين أمام محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية في العالم (نظريا على الأقل)، وبناء على طلب من الأمم المتحدة، فماذا كانت النتيجة؟

لقد أكدت المحكمة عدم شرعية الجدار ومخالفته للقوانين والمواثيق الدولية، لكن قرارها بقي حبرا على ورق دون أن يجد من يلتفت إليه أو يعيره أدنى اهتمام، لكن الأدهى من ذلك أن بعض أهل المنطقة أنفسهم يُستخدمون، راضين أو مستسلمين، وقودا لهدم ما تبقى من أوطانهم والإجهاز حتى على الأمل في إمكانية ترميمها أو إعادة بنائها، بل ويتنافسون على من يكون بينهم أكثر هدما وأشد إمعانا في تدمير أي جسر أو منفذ للتفاهم والحوار، ولو على المدى البعيد!

الكل يسابق الكل في الذبح والقتل والتدمير والشد في الاتجاه المعاكس لباقي الأطراف الأخرى داخل البلد الواحد، وبين الطوائف والمذاهب والأعراق في أكثر من بلد، إضافة إلى الصراع السياسي على المناصب والكراسي والمصالح الذاتية الآنية والضيقة، دون ترك أي مجال ولو للمقايضة والمساومة.

والانتهاكات من الداخل وما يجري من تناحر واقتتال وجرائم ضد البشر والحجر ودور العبادة، تبقى كلها مقيدة ضد مجهول، رغم أن الكثيرين ممن يرتكبون الجرائم والفظائع معلومون، وفي الغالب مُعلَنون وأحيانا يتفاخرون بما يقترفون، والخاسر في كل ذلك هو الشعوب المغلوبة على أمرها من داخلها، والمنتهكة حدودها ومقدراتها من الخارج، فمن يعوض هذه الشعوب؟ وعن أي خسارة تطالب بالتعويض؟ هذا إن وجد أصلا من يهتم بخسارتها أو يلتفت لتعويضها، حتى ولو كان تعويضا جزئيا.

وبأي منطق يمكن أن نطالب الآخرين بالتعويض عما اقترفوه ضدنا، إذا كنا نحن شركاء لهم في ما يقترفون؟ لقد استرخصنا كل شيء حتى الأوطان والأنفس، فكيف لا نكون أرخص عند غيرنا حتى من بعض الملابس المستعملة!

فمتى نغير حالنا المزري ونعيد النظر في تقييم أنفسنا وأوطاننا؟ أم أن المقصود هو أن ينسى العربي وطنه وأن يصبح أقصى ما يتمناه أن يكون بنطالا أميركيا؟!