مهما كانت الأسباب البعيدة غير المباشرة، أو القريبة المباشرة لما حصل في قطاع غزة، لا يحق لأي طرف فلسطيني استخدام منطق القوة في حسم التباينات السياسية والتنظيمية في الساحة الفلسطينية، وانتهاج منطق الإقصاء والاستئصال لأطراف موازية أو منافسة بالمعنى التنظيمي والسياسي.
فالذي حدث مؤخراً في القسم الجنوبي من فلسطين كان كارثة بكل ما للكلمة من معنى، فقد تحولت انتفاضة الشعب الفلسطيني الكبرى، ومسيرة كفاحه الممتدة منذ عقود النكبة إلى مسيرة ميتمة على يد أبنائها، وبالأحرى على يد المنفلتين الذين طفحوا بالإساءة لها، وبالإساءة إلى تضحيات الشعب الفلسطيني التي فاقت كل تصور. فمشاهد الرعب والقذائف الصاروخية والإعدامات والسحل وصناعة الموت، تذكرنا بعصور غابرة من تاريخ القرون الوسطى، تاريخ المقاصل والتصفيات الدموية.
وفي صور مروعة أدمت القلوب، فحملت معها عواقب وخيمة قد تسحب نفسها نحو الانتحار الجماعي الفلسطيني، في أوقات شديد الخطورة تمر بها الساحة الفلسطينية، عدا أنها هبطت بالقضية الفلسطينية إلى الحضيض، ووجهت لها طعنات تكاد تكون قاتلة أمام المجتمع الدولي والرأي العام العالمي قبل العربي والإسلامي.
ففي الأمس القريب كان المسلحون الملثمون بالنسبة لغالبية الفلسطينيين رموزا فدائية محترمة للمقاومة ضد الاحتلال، والآن حولهم التطاحن الذاتي والاقتتال الداخلي المدمر المتواصل وغياب القانون الذي يسود الأراضي الفلسطينية إلى أفراد ومجموعات شبيهة بالعصابات في عيون كثيرين كانوا ينظرون إليهم في وقت من الأوقات باعتبارهم أبطال الشعب وفدائييه. فالخطر الذي جلبه الاقتتال الداخلي لا يقل عن المخاطر الناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي.
والمسلحون الذين كانوا في وقت من الأوقات يحاربون قوات الاحتلال وعصابات المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية وغزة انقلبوا على بعضهم البعض في صراع مستمر لا مبرر له بين الشركاء في حكومة الوحدة الوطنية، وتحولت حركة التحرر الوطني الفلسطيني إلى حركة فتنة وحرب أهلية، وتحولت بعض فصائل الثورة والمقاومة إلى ميليشيات والبندقية الوطنية إلى سلاح عصابات إجرامية تعيث في الأرض فساداً.
وما زاد «الطين بلة» أن بعض الميليشيات والزمر والأجهزة الأمنية التي شكلتها ورعتها كل من القوتين الأكبر في الساحة الفلسطينية لم تعد تخضع لسيطرة القيادات السياسية التي تتبعها وإنما تدين بالولاء لمجموعات أو قيادات فرعية تتولى بنفسها تنفيذ القانون الذي تراه، معتبرة نفسها فوق أي تساؤل كان. وما فضيحة اختطاف الصحافي البريطاني الآن جونسون إلا واحد منها، حيث خطف من قبل مجموعة عشائرية تخص مسؤول جهاز في تنظيم فلسطيني مقابل فدية مالية كان يجري التفاوض بشأنها.
ومنذ الانتخابات التشريعية التي جرت في شهر يناير عام 2006، وقعت سبع جولات من المعارك بين رفاق وأخوة السلاح والوطن والقضية من أبناء حركتي حماس وفتح في شوارع غزة وأزقة المخيمات، وكل موجة من الموجات أدت إلى تصاعد حدة القتال وتزايد عدد الضحايا الأبرياء من الطرفين ومن المدنيين العزل، وكل جولة انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة مصرية.
وفي السابع من الشهر الجاري بدأت الجولة السابعة المأساوية بنتائجها الكارثية على حركة حماس قبل حركة فتح وباقي الفصائل الفلسطينية، وخلال أسبوع سقط أكثر من مئة ضحية فلسطينية مضرجة بدمائها برصاص فلسطيني فضلاً عن مئات الجرحى. فقد جاءت المأساة الأخيرة التي جرت فصولها المتتابعة في قطاع غزة منذ ما قبل توقيع اتفاق مكة لتزيد من الأمور تعقيداً على تعقيد في ظل ظروف حالكة السواد تخيم على الحالة الفلسطينية في الداخل والشتات على حد سواء.
ومن قطاع غزة إلى لبنان نهر البارد يستمر النزف المجاني للدماء الفلسطينية، ويعم الدمار فوق رؤوس الغلابة من أبناء فلسطين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في صراع غير مبرر بغض النظر عن أسبابه الخارجية والداخلية، وأبطاله قيادات عاجزة في أحسن الأحوال. ففي انكسار مفجع، تهدر فيها الدماء، وتدمر الممتلكات العامة والخاصة دون اتعاظ أو رأفة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الفلسطينيون في الداخل حيث الفاقة الاقتصادية وممارسات الاحتلال وحصاراته، يتحول انتصار من يدعي الانتصار إلى انتصار المهزوم.
في هذه الأثناء، وبغض النظر عن شرعية تشكيل حكومة الطوارئ من عدمه كان من الأفضل التريث قليلاً قبل اتخاذ القرار بتشكيلها، وذلك حرصاً على تفويت الفرصة على الألاعيب المتوقعة من الأطراف الخارجية الأميركية الإسرائيلية وبعض الأوساط الدولية، وحرصاً على إبقاء (شعرة معاوية) بدلاً من قطعها بين حركتي حماس وفتح.
والتسامي على الجراح من أجل معالجة ما جرى بروح وطنية عالية بعيدة عن المنطق التنظيمي الضيق، فالمواقف الدولية أسهمت بدورها في وصول الحالة الفلسطينية إلى ما وصلت إليه، فقد لعبت الولايات المتحدة وإسرائيل ونفاق غالبية الدول الأوربية دوراً كبيراً في تأزيم الحالة الفلسطينية الداخلية من خلال مقاطعة ومحاصرة الشعب الفلسطيني وحكومة الإجماع الوطني الفلسطيني التي اختارها الشعب الفلسطيني عبر صناديق، بل وطاولت الضغوط الرئيس محمود عباس ذاته، حيث تم إضعافه تدريجياً بدلاً من توفير مقومات النجاح له ولحكومة الوحدة الوطنية.
ومع هذا، ان توابع زلزال ما حدث تستدعي بالضرورة وقفة حكيمة عاقلة تتمتع بالحلم الذي يجمع (العقل + الحكمة) من قبل قيادات فتح وحماس لترميم ما هو ممكن في الحالة الفلسطينية بعد كارثة الدمار الذاتي في قطاع غزة، وحل الحكومتين:
حكومة الوحدة الوطنية وحكومة الطوارئ والانتقال إلى حوار مباشر وسريع يضفي نتائج ملموسة نحو حكومة وحدة وطنية ائتلافية، وقبل ذلك ضرورة وقف عملية الاستقطاب الحاد المتنافر، وتطويق الأحداث الدموية بين حركتي فتح وحماس، كمهمة عاجلة على جدول أعمال كل القوى في الداخل الفلسطيني، باعتبارها مهمة لا تقبل التأجيل أو المماطلة والتسويف، وحل استعصاءات الملف الأمني الشديد التعقيد والذي كان عاملاً أساسياً من عوامل الانفجار الأخير.
وتالياً ضرورة إبعاد السياسة وتأثيراتها عن الجيش والأجهزة من خلال إعادة بنائها بعد إخراجها (الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية) خارج دائرة التباين السياسي في الساحة الفلسطينية، ووقف التدخلات الفصائلية في تركيبتها، وفي توزيع المواقع داخلها تبعاً لمنطق «الولاء» الذي أرهق الساحة الفلسطينية، وانزل العمل السياسي إلى أسفل الحضيض والانحطاط.
وفي الوضع الراهن، يمكن القول إن إصلاح ذات البين وإعادة الأمور إلى نصابها أمست مهمة معقدة للغاية، وتكاد تنتظر معجزة من السماء، في وقت لن تقع فيه المعجزات، لأن السماء وببساطة لن ترحم قيادات حال لم تشفق على شعبها، ولم تسمع صراخه وأنينه بل وتترك الباب مفتوحاً على غاربه أمام لوردات وأباطرة الفساد وتجار القتل من لصوص وعفاريت الحروب الأهلية.
وبكلمة أخيرة، إن ذيول ما حدث في غزة سيبقى يلاحق الفلسطينيين وحركتهم الوطنية على المدى المنظور، عدا ما أحدثه من تعطيل في إمكانية الانتقال إلى حوار جدي حقيقي بين الأطراف الفلسطينية المختلفة من أجل التوصل إلى حلول واقعية للقضايا المعلقة على جدول أعمال الحركة الوطنية الفلسطينية خصوصاً بالنسبة لقضايا منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي لم يعد أمام قيادتي فتح وحماس سوى استجداء رضا الشعب ورحمته عله يشفع لها، وعليها بالمقابل أن تركع أمامه وتعود لتحكيم العقل والضمير، وتنبذ قبل كل شيء رموز الفساد والتضليل.
كاتب فلسطيني ـ دمشق