يبدو أن القضية الفلسطينية أصبحت تتخذ مساراً جديداً يصح أن نطلق عليه «الطريق إلى أوسلو (2) ».واذا كانت أوسلو الأولى قد جرى التفاوض عليها في جلسات سرية بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسحاق رابين الإسرائيلية بمعزل عن الحكومات العربية، فإن المسار الجديد للقضية الفلسطينية سيكون مختلفا كما تدل المؤشرات المتتالية المتسارعة في أعقاب اكتمال سيطرة حركة حماس على قطاع غزة.

ففي هذه المرة تتشكل في صمت جبهة عريضة تجمع حكومات عربية وسلطة الرئيس ابومازن في الضفة الغربية مع إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحت راية «الاستئصال النهائي للإرهاب الفلسطيني» كناية عن المقاومة الفلسطينية وفصائلها التي تبرز في مقدمتها حماس وميليشيتها «كتائب عز الدين القسّام».

دور الولايات المتحدة كشريك استراتيجي لإسرائيل يبقى على ثباته، لكن يلاحظ انه طرأ ثمة تغيير على الأسلوب. لقد انتهت للتو تلك المرحلة التي كانت تجلس فيها كوندوليزا رايس بين الرئيس ابومازن وايهود اولمرت لتمثيل دور الوسيط الحيادي النزيه في مشهد يليق بفن العلاقات العامة، بينما في الخفاء تمارس الإدارة الأميركية علاقاتها وتحركاتها الدولية كحليف كامل للدولة اليهودية.

الآن كشف المستور، ونزع القناع إيذاناً بانتهاء مرحلة التمثيل المسرحي وكما تعكس التداعيات الناشئة عن استتباب الأمر لحماس في قطاع غزة فإن واشنطن قررت فيما يبدو اخذ زمام الأمور في يدها لتصدر نيابة عن إسرائيل تعليمات وتوجيهات.

في تسلسل متسارع الإيقاع صار الرئيس ابومازن يصدر مرسوماً تلو مرسوم، وقراراً تلو قرار معلنا حالة طوارئ وتشكيل حكومة طوارئ. تم اغلاق الباب نهائياً في وجه أي اقتراح من اية جهة بالمشاركة في حوار وطني مع حماس او غيرها من الفصائل، ومن الصعب ان نتصور ان هذه التحركات الحاسمة ليست بوحي من الإدارة.

فالولايات المتحدة أصبحت الان منهمكة في عملية استثمارية تاريخية للقضاء المبرم على المقاومة الفلسطينية، وبالتالي لا مجال للسماح بحوار فلسطيني ـ فلسطيني قد يفسد مخطط الاستئصال، وعلى هذا المنوال ستكون حكومة الطوارئ مجرد واجهة لإضفاء غطاء سياسي فلسطيني على عمليات الاستئصال، بحيث تبدو هذه العمليات وكأنها تعكس إرادة فلسطينية.

الولايات المتحدة أصبحت تدرك بالطبع أن المشروع الأميركي الإسرائيلي لتجميد وإفشال فوز حماس الانتخابي قد انتهى إلى فشل، ونستذكر ما أنفقت واشنطن من مساعدات مالية وفنية من خلال هذا المشروع لتجهيز آلة فتح العسكرية، وتحديث قوات الحرس الرئاسي وغيرها من المؤسسات الأمنية التابعة للرئيس ابومازن. لكن هذه المؤسسات جميعا بقواتها الأمنية البالغة في إجماليها نحو 20 ألف مقاتل انهارت في لحظات كأبراج من ورق، كما قال مسؤول اسرائيلي في وجه ثلاثة آلاف مقاتل فقط من حماس.

اجل فشل المخطط ولكن الهدف الاستراتيجي الأميركي الإسرائيلي وهو تصفية المقاومة عن طريق دعم سلطة الرئيس ابومازن لايتغير.مايجري الآن هو عملية «تصحيحية» للاستئصال تنضم بموجبها حكومات عربية إلى الخندق الأميركي الإسرائيلي مع السلطة الفلسطينية.. فكلهم ضد المقاومة مع اختلاف الأسباب والدوافع.