يصل اليوم إلى بيروت الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى؛ ومعه وفد اللجنة الخماسية العربية، والمهمة: محاولة لإعادة الأطراف اللبنانية إلى طاولة الحوار؛ بغية العثور على مخرج للأزمة الطاحنة؛ التي تهدد بالمزيد من التصعيد والتفجير.

وكان سبق للأمين العام أن طرح قبل عدة أشهر مبادرة للحل، إلا أنها واجهت عقبات كثيرة وبقيت على الورق، اليوم يأتي الوفد وبتكليف من مجلس الجامعة الذي انعقد قبل أيام على مستوى وزراء الخارجية، لتعويم هذه المبادرة سواء بإدخال عناصر جديدة عليها أم تركها كما هي، المهم أن هذه الزيارة هي محاولة أخرى وربما أخيرة لإخراج الوضع اللبناني من عنق الزجاجة؛ قبل فوات الأوان.

الفارق بين المسعى العربي الأول والراهن؛ أن الانسداد في المرة السابقة أدى إلى رفع درجة التأزيم والتعقيد وترك البلد عرضة للمزيد من الانكشاف وبالتالي من التدهور، أما الآن فإن تعذر العثور على مخرج، يعني دخول لبنان في نفق من التشرذم غير المسبوق، الذي قد لا يكون انتقال عدوى غزة ـ رام الله الحكومية إليه، آخر أو أخطر منتجاته.

في أوقات سابقة من عمر هذه الأزمة الطاحنة؛ كان لعامل الوقت دوره، ثمة مساحة منه، كانت قابلة للتوظيف؛ علها تساعد في إنضاج ظروف الحلحلة، الآن مثل هذا الهدف غير متوفر، على العكس الوقت ضاغط، بل خانق، والوضع اللبناني في سباق مع الزمن، وأزمة نهر البارد، لا تزال مشتعلة وتفاعلاتها بدأت تتمدد، صواريخ الكاتيوشا على شمال إسرائيل أول الغيث، ومسلسل الاغتيالات عاد ليرخي بشبحه فوق البلد؛ بعد الذي شهدته بيروت قبل أيام، شظايا ما جرى في غزة مؤخراً وما لحقه من تطورات وانقسامات بدأت تصيب بعض المخيمات الفلسطينية في لبنان.

احتكاكات مسلحة بين «فتح» و «حماس»؛ وقعت على الأقل في مخيمين. وهي تنذر بالمزيد من التوتر؛ في ضوء التداعيات الجارية داخل الأراضي الفلسطينية، فوق ذلك كله، ثمة انتخابات فرعية لبنانية تقررت في مطلع أغسطس المقبل، ردود الفعل حولها عمقت الخلافات، والحديث عن إعلان قيام حكومة ثانية، على أساس أن حكومة السنيورة «غير شرعية»؛ بات بضاعة متداولة. وكأنها صارت بحكم تحصيل الحاصل، لا سيما وأن انتخابات رئاسة الجمهورية هاجمة، هي الأخرى، في ظل أجواء من التصعيد السياسي الحاد.

وسط هذه الظروف غير الاعتيادية، بتعقيداتها وتداخلاتها؛ يدخل المسعى العربي على الخط. فهو لا بديل له عن الدخول، وفي ذات الوقت لا بديل أمامه على النجاح في وقف الاندفاع السريع نحو ما يبدو أنه خط اللارجعة، وذلك أضعف الإيمان، والحضور العربي إلى بيروت عند هذا المفصل الدقيق، والعصيب مهم ولا يحتمل المراوحة. وهو بقدر ما يفرض العجلة؛ بقدر ما يتطلب النزول بقوة وبحسم.

المفتاح يكمن في حمل الأطراف اللبنانية والإصرار عليها في هذه اللحظة، على العودة إلى التواصل وعلى وجوب البناء على القواسم المشتركة وحمايتها وبما يكفل عدم اللجوء إلى خطوات افتراقية حاسمة؛ مثل إعلان قيام حكومة أخرى توازي الحكومة القائمة، خطوة من هذا النوع، مهما كانت حيثياتها، محكومة بمضاعفات تطال مصير لبنان وتزيد في تشليع الساحة اللبنانية وأيضاً العربية، في أقله هي تضاعف من انكشاف الأوضاع وتصب الماء في طاحونة التفتيت الذي انتقل أمس من العراق إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.