في مقال يفيض باليأس، يكتب الفلسطيني حسن البطل أن «خيارات الخروج من الحرب الأهلية أكثر من خيارين مرين وجميعها مرة أيضا».ويمضي البطل لتعداد هذه الخيارات قائلاً «استمرار الشراكة الحكومية غدا خيارا مرا ورفض الشراكة قد يكون خيارا مرا.. وإعلان حالة الطوارئ أمر من الاثنين لأنه خيار وهمي (...) وقد يجعل الحريق أوسع نطاقا». (حسن البطل: «حزيران الفلسطينيين» ـ الأيام الفلسطينية، 14 يونيو).

أما الكاتب الإسرائيلي داني روبنشتاين فيستعيد اقتراحا من الأكاديمي الفلسطيني علي الجرباوي مفاده انه «قد يكون هذا هو الوقت المناسب لقبول اقتراح البروفيسور علي الجرباوي المحاضر في جامعة بيرزيت والذي يقول بحل السلطة الفلسطينية ارادياً». (داني روبنشتاين: «ربما يكون المخرج الوحيد» ـ المستقبل اللبنانية مترجما عن هآرتس، 13 يونيو).

هكذا بلغ الوضع الفلسطيني حده الأقصى من الاستعصاء الذي بات يوحد الفلسطينيين والإسرائيليين في كيفية الخروج من مأزق الحرب الأهلية. وسيفيد المنظور التاريخي بعض الذين يسعون إلى التهوين من شأن هذه الحرب لأن التاريخ مليء بأمثلة على حروب أهلية في مرحلة التحرر الوطني، بل ان تاريخ دولة إسرائيل فيه أمثولة تقدم التبرير اللازم وهي أمثولة حرب بن غوريون زعيم الهاغاناة على عصابات شتيرن الإرهابية قبل إعلان قيام إسرائيل في 1948.

لكن هذه الأمثولة بالضبط هي التي لربما يحتاجها الفلسطينيون المتقاتلون اليوم لكي يعوا الفارق الكبير بين التعددية السياسية والنضالية وبين ان تكون للشعب الفلسطيني مؤسسته الواحدة القوية التي تقود نضاله. رغم الاقتتال بين «الهاغاناة» و«شتيرن»، فإن الهدف كان واحدا هو العمل على تأسيس دولة يهودية، وكانت تلك الدولة قد تأسست بقرار دولي وعلى أجزاء من التراب الفلسطيني. هل هذا هو ما يجمع «فتح» و«حماس»؟. أي تأسيس دولة فلسطينية على أجزاء من التراب الفلسطيني؟

ها قد عدنا من جديد: نعم «اتفاق اسلو» سيئ، بل ولربما غاية في السوء لكن من قال أن الدولة ستأتي هبة من مجتمع دولي متواطئ أو من الإسرائيليين؟ ومن قال ان البديل هو التمسك بحلم تحرير فلسطين من النهر إلى البحر؟ ومن قال ان الحل يكمن في التهرب من استحقاقات التزمت بها سلطة فلسطينية ايا كان من يقودها ومن التفاوض؟

لقد قاتل الفيتناميون في الأدغال وكانوا يتفاوضون في باريس، وقاتل الجزائريون وجلسوا أخيراً في ايفيان للتفاوض على الاستقلال. لكن الأمر بالنهاية يبقى دوما رهنا برؤية ابعد من المعارك اليومية وجلسات المفاوضات، إنه رهن بالهدف النهائي (مرحليا كان أو استراتيجيا) الذي تعمل من اجله كل الفصائل المقاتلة من اجل التحرر، وهذا بالضبط هو أول عناصر الخلل في الوضع الفلسطيني بأكمله.

انه خلل جسيم وخطير لأنه المدخل الرئيسي للاحتراب الأهلي، فالخلاف على البرامج السياسية المرحلية وتفاصيل بناء الدولة ومؤسساتها سيتطور لاحقا إلى تأزم سياسي طالما لا يوجد أي اتفاق على عبارة بسيطة «بأي اتجاه نسير؟». وطالما ان 13 عاما من عمر السلطة الفلسطينية لم تنضج المتقاتلين ولم تدفعهم لاستيعاب الدرس، فإن الأمل أكثر من ضعيف فعلا بأن لا يحسموا خلافهم السياسي بالأسلحة في ظل ثقافة شائعة تولي السلاح أهمية أكثر من العقل الذي يستخدمه وتتغنى به دوما مخلصا من كل العذابات.

هنا بالضبط علينا التوقف مليا أمام عبارات مليئة بالحسرات لكنها بليغة للغاية عندما يذكرنا الكاتب الفلسطيني طلال عوكل بتراجيديا المعارك والبناء من جديد: «بخلاف توقعات المواطن اندلعت دوامة العنف يوم الاثنين الماضي، أي في اليوم الذي جلس فيه ثمانية وسبعون ألف تلميذ على مقاعد الامتحانات التي تتم للمرة الأولى وفق المنهاج الفلسطيني الموحد، لكأن الاقتتال يستهدف كل شيء موحد بما في ذلك المنهاج الفلسطيني الذي يريده البعض ان يكون مناهج إلى ان يسيطر منهج على كل المناهج حتى ولو باستخدام السلاح والعنف المفرط». (طلال عوكل: «هل اندفعنا نحو مرحلة الحسم؟» ـ الأيام الفلسطينية، 14 يونيو).

نعم انه خلاف بين مناهج مثلما يذكرنا عوكل، والمشكلة ان المناهج السياسية المتصارعة تقدم نفسها بديلا كاملا عن الآخر. والمشكلة ان المنهج الذي بدأ منذ قيام السلطة لم يمثل خيارا واقعيا رغم كل مساوئه لأن المنهج البديل يرمي إلى إعادة تأسيس من جديد وبخيارات كانت تستبعد البناء على واقع بصبر ومثابرة: تأسيس مدارس وجامعات ومستشفيات وتطوير بنى تحتية للدولة. نعم لقد كان الفساد مستشريا في السلطة وثمة سجل غير مشرف أيضا في قمع الحريات، لكن الفارق يبقى جليا بين محاربة الفساد ضمن عملية بناء مستمرة وبين الانقلاب الكامل وإيصال الخلافات إلى حد مرحلة التناقضات التناحرية.

المفارقة هنا غير مدركة بالنسبة للفلسطينيين أنفسهم وغيرهم أيضا. فعلى الطرف الآخر، كان الإسرائيليون يعملون بنفس المنطق: إعادة التفاوض من جديد. لقد فعل نتنياهو هذا ومن بعده باراك إلى ان أكمل ارييل شارون المهمة باجتياح جنين من اجل هدف تاريخي: منع أنوية الدولة الفلسطينية من النمو والتبلور، يفيد التذكير هنا بأن أول هدف للقوات الإسرائيلية في اجتياح جنين كان السجل العقاري الفلسطيني. هل تدعونا هذه المفارقة إلى التوقف قليلا والتأمل في هذا الاتفاق على سوء اتفاق أوسلو سواء لقسم من الإسرائيليين وقسم من الفلسطينيين؟