تابع العالم ما يدور في قطاع غزة، ذلك الشريط، الذي نصيبه من التنفس على العالم بوجود سلطة مركزية مع رام الله، وإذا ما وجدت غزة نفسها إمارة صغيرة على نمط غزستان الإسلامية، فان تنفسها سيكون نهاية القضية المشروعة، ولن يكون خيار أصحاب الأعلام الخضراء ومكبرات الصوت، إلا خيار صواريخ القسام، والورش البدائية في البيوت وتحت الأرض.
من شاهد على التلفاز تذمر الهاربين ومهانة الملابس الداخلية من ذلك الاقتتال المحموم بالحقد والكراهية داخل البيت الفلسطيني، وسمع الآراء المحبطة من الكبار والمسؤولين وخيبة أمل العادين في الشارع الفلسطيني، يعرف بالفعل أين بلغت الأزمة والى أين تقود القضية الوطنية الفلسطينية؟
ما فعله صغار المقاتلين يعكس هوج ونظرة الكبار للصراع، ورغبة السيطرة على زمام السلطة وإدارة دفة القطاع بطريقة استفرادية وليس ثنائية، لسلطة بدأت منذ تكوينها الأول كأنها جنين مشوه لولادة قيصرية، بثنائية قائمة على المحاصصة الفصائلية بهدف امتصاص الصراع وتأجيله، بدلا من اجتثاث خلافات عميقة في إستراتيجية الصراع والسلطة وكيفية حل التناقض فيما بينهم وحل التناقض ما بين الطرفين والعدو الإسرائيلي.
ما سمي بحكومة الوحدة الوطنية واتفاق مكة تبخر مع دخان الحرائق وجثث القتلى والجرحى والتكسير والتخريب والنهب وسلوك الاستهتار السياسي، فقد ترجم هذا الصراع السياسي العنيف حقيقة جغرافية للسلطة وبتعبير شمعون بيريز(انه ينعي فتح)، بعد حالة الطوارئ وبأنهم سيتعاملون مع حماس، وهنا بيت القصيد كما نفهم ودق الإسفين والاتجاه نحو ترسيخ سلطة الأعلام الخضراء والتجزئة، ومن ثمة وجود علاقات متباينة، واحدة مع رام الله المعتدلة وأخرى مختلفة مع سلطة حماس المتشددة، لعزلها جغرافيا عن العالم وخنقها في ذلك المربع تحت ذريعة الإرهاب.
ما حدث في غزة من صدامات وتبعه في الضفة الغربية، يعكس الروح والنزعة التسلطية من اجل استملاك مسألتين، السلطة السياسية، التي ـ لسخرية القدر ـ لم تخرج من عباءة التبعية للاحتلال، والثروة الناضبة في خزانة سلطة تستجدي العالم وشعبها المدني ودافع الضرائب، فلا يرى فيها المتقاتلون إلا رواتب لتلك العناصر، التي باتت المليشيات المدججة بالسلاح، تنمو داخلها بحجج واهية، وموظفين متبطلين تهدف السلطة الثنائية استرضاءهم كجزء من بطانة سياسية دائمة وثابتة.
وقد شعرت بأنها معنية بتوارث مستمر باستملاك تلك الخزينة. أما المسألة السياسية وطبيعة التعامل مع خيوطها المعقدة، فهو بالضرورة نزاع قائم على رؤية الجانبين للحل النهائي وكيفية إدارة الصراع وإدارة المهمات المباشرة للسلطة داخليا وخارجيا.
ما فعله المتقاتلون في غزة، وبروز شعور المنتصر الأعظم في قضية اقرب للتراجيدية المضحكة، نقرؤها في تصريحات مشعل المزهوة بالفرح وبتضخيم الذات، حينما قال بأنه، يتعهد بعدم تصدير الثورة، وطمأنته دول الجوار بأن حماس ليست بعبعا ودول الجوار التي ينبغي أن نفهمها جغرافيا في هذه اللحظة هي لبنان و الأردن ومصر وطبعا لن يصدرها للعراق ولا إلى سوريا، فواحدة هي الجوار التي يمنحها مظلة التصريحات والثانية ان دخلها لن يخرج منها إلا جثة ممزقة.
في صلب تصريحات مشعل ينعكس فرح المليشيات، وهي ترفع الأعلام الخضراء وكأنها دخلت إلى عمق تل أبيب، وكل السعادة الغامرة هو البحث عن عدسات التصوير، لكي يتعملق زهو الانتصار بالجلوس على مقعد الرئيس، دون فهم حاملي السلاح، أنهم بمجرد التهكم والاستهزاء برئيس سلطتهم ـ مهما اختلفوا ـ يبرز المستوى الثقافي والسياسي لحملة السلاح، وبالطريقة الإيديولوجية التي تعبيء بها حماس أنصارها وأعضاءها، فلا يوجد في قاموس الفرحين بالرشاشات والأعلام الخضراء إلا ثقافة القوة والعنف، فهي في نظرهم القادرة على حل الخلاف على الأرض، وهو المنطق الذي صرحوا به لوكالات الأنباء.
أنهم بذلك الانتصار يعتبرون أن غزة تحررت للمرة الثانية من قطعان العملاء، ما يراه العالم من تهور بقضية صراع طويلة، مرت بمنعطفات عدة وتعرجات عنيفة دامية عرفتها سنوات أيلول الأسود حتى حرب المخيمات الأخيرة، حوارات سياسية مضنية بهدف انتزاع مشروع الاعتراف بالدولة.
كم من هدنة أقيمت وكم منها ستأتي، ولكنها لن تنفع عند المولعين بلغة الرشاش، المتهكمين من رخاوة ساسة المكاتب وأصحاب الامتيازات في السلطة. وكم من فتنة أيقظها الآخرون في الخفاء، لهذا قالت العرب لعن الله من أيقظها، فالفتنة لا تستيقظ من تلقاء نفسها، إن لم تجد تربة خصبة تنمو فيها كما هي الطفيليات الفاسدة، طفيليات تجد في السلطة والثروة مكانها الأبدي.
وما تبديه حماس من مرونة خارجية وإعلامية تختلف على ارض الواقع والممارسات اليومية بين المتصارعين، وليس تلك الأعلام الخضراء الفصائلية إلا تعبيرا عن الانتماء العشائري السياسي، فهي الهوية، التي تحت مظلتها يقتات الموالون من بركاتها في الدنيا، فلا احد يقاتل بالمجان، ولا احد يحمل البندقية إن لم تكن هناك خزانة المال العام من بيت دار الخلافة.
فماذا وجد العالم على مسرح غزة؟ وكيف عبر عن تعاطفه وتضامنه معها؟ أنها مختزلة في تهكم عبارة غزستان وحماسستان وفتحستان! بل ولم تجد الجامعة العربية نفسها، إلا وسيطا مهدئا لحقن الدماء والعودة للحوار السياسي وبضرورة الوحدة الوطنية، إنها نفس النصائح والوعظ ذاته، يختمها البعض بخطابية عاطفية ليقول للعالم، إن هذا الذي يحدث ليس من سلوكيات وأخلاق الشعب الفلسطيني، فيرفعه إلى مستوى شعب ما فوق الخطيئة السياسية، ويجعله المقدس في القيم والنزعات، وفوق الخلافات السياسية العميقة والنزعة الاستفرادية والتقاتل من اجل استملاك السلطة.
ما قدمته لنا وثائق التاريخ من صراع دموي بين الإخوة في حروب أهلية، تعبير عن حقائق التاريخ، وبأن إدارة السلطة لا يمكن أن تكون ثنائية، وينبغي أن يتنحى احد الأطراف عن تلك المسألة. ولكن كيف يحدث ذلك في وضع سلطة تحت الاحتلال؟ طرف يرغب تدمير ذلك الاحتلال حتى عقر داره وطرف يرى أن الحوار مع الاحتلال خطاب ناجع؟
كيف بالإمكان لإدارة ثنائية داخلية للأمن والمال العام أن تنجح ولكل طرف رؤية معاكسة؟ كيف تتقدم سلطة ثنائية في علاقات دولية متنافرة؟ كيف بإمكان سلطتين تتحركان وتتقدمان للأمام واحدة برؤية براغماتية والأخرى برؤية جهادية لديها ثوابتها حتى وان تغير الكون، ولا ترغب بالاقتناع بحقائق العصر؟ وهاهم مرة أخرى يفسرون الشرعية والمفردات الانقلابية والعصيان المدني المسلح والسطو على المقرات الشرعية كل من زاوية رجاله ومحيطه؟ فهل بإمكان سلطتين من هذا الطراز الوصول إلى توافق حقيقي؟
كاتب بحريني