لم تختلف روح التعامل مع الدول والشعوب والأمم الأخرى في معايير السياسة الأميركية الخارجية عن التعامل مع سكان الولايات المتحدة الأصليين أو ما يُعرفون تاريخياً وشعبياً عالمياً بالهنود الحمر، والذين لا يمتون لا للجنس الهندي ولا اللون الأحمر بأية صلات.
داخلياً كذلك تعاملت الإدارات والجماعات الأميركية النافذة في الحكم مع المجموعات الإثنية المكوّنة للدولة الأميركية من ذوات الأصول الإفريقية والآسيوية واللاتينية الأخرى، تعاملت معها بنفس الأسلوب مع اختلاف في الحدة حسب قوة تأثير تلك الإثنية وقدرتها على فرض وجودها على الغير. ذلك ما يدل على ضعف واضح في قدرة القادة والسياسيين الأميركيين على استيعاب وفهم الغير واحترام حقوقهم والتعامل التبادلي القائم على الاحترام ومراعاة ثقافات وحضارات ومصالح تلك المجموعات.
الدارس أو المطلع على مجلات ومجلدات السياسة والشؤون والعلاقات الخارجية الأميركية يجد أن الأمم الأخرى مهما كان حجمها الديموغرافي كانت تواجه نفس طريقة التعامل التي اتبعها المستوطن الأبيض مع «الهندي الأحمر». الخطوط التكتيكية العريضة لتلك السياسة هي عرض اتفاقيات سلام أو تفاهم أو تعاون بشروط تميل بمجملها لصالح السياسة والأهداف والمصالح الأميركية والتي غالباً ما لا توافق تلك المجموعة على المدى الاستراتيجي البعيد.
الطرف الآخر في العلاقة مع الإدارة الأميركية في جل الأحيان يريد أن يؤمّن مساعدة مالية أو غذائية أو ثقافية تعليمية. إن تقبل حكومة أو رئيس أو ملك تلك الدولة بشروط الاتفاقية يتم التعامل معه كرئيس قبيلة «هندية حمراء» حيث تُصرف له ولمساعديه وأركان حكمه علاوة مالية ويختار له من يولونه الطاعة والاحترام، على الأقل لا يتمردون عليه. إن يحدث إخلال حسب التفسير الأميركي لشروط تطبيق تلك الاتفاقية، حينئذ تُعلن حالة شبه حرب مع ذلك الكيان بما في الحرب من فروع سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وإعلامية وأخيراً الحرب العسكرية المفتوحة.
تم تطبيق مفهوم التعامل الفوقي المتعالي والنزعة والسياسة التي تعتمد على العزل والحصار والحرمان من الحقوق والامتيازات على كتل كبيرة مثل دولة الصين. حتى العام 1970 لم تعترف الولايات المتحدة بدولة الصين وهي أكبر كيان ديموغرافي في العالم. اعترفت الولايات المتحدة بشكل كامل وشبه أوحد بدولة تايوان أو الصين الوطنية المتمردة، التي تساوي ضاحية ميكروسكوبية في جسم الصين الأم، وعملت كل ما باستطاعتها لحصار واحتواء الصين كما لو كانت الأخيرة محمية أو منعزلة للهنود الحمر في أحد أرياف الولايات المتحدة الأميركية.
أمثلة وضع الفئات والأمم الأخرى في منعزلات كثيرة ومتكررة ولم تنفع تضحيات تلك الفئات الجسيمة وصيحات وتقارير الوكالات الدولية المستقلة المتخصصة والتي في جلّها حتى غربية وأميركية الهوية والهوى من ردع أو إقناع الولايات المتحدة بتغيير سياستها أو حتى تعديلها. أكبر وأفظع أعمال العزل على طريقة منعزلات الهنود الحمر جرت وتجري على قدم وساق في فلسطين العربية برضا وتفهّم ودعم وتأييد كامل من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة. أدى ذلك إلى حدوث وضع مأساوي خطير لملايين الفلسطينيين في الداخل تحت الاحتلال، وفي الشتات والذين أصبحت حالتهم النفسية والمعنوية والمادية في الحضيض.
ما تفعله إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش في العراق هو نسخة طبق الأصل عن ما كان يفعله المستوطنون البيض ضد الهنود الحمر. في كل ضاحية أو بلدة أو قرية أو مدينة توسم بالمتمردة على الاحتلال الأميركي يقوم الجيش الأميركي بوضع سياج من الأسلاك الشائكة أو جدار من الخرسانة المسلحة وتحت مراقبة جنود جيش الاحتلال الأميركي والجيش العراقي الحالي المضطر للتحالف معه.
يفعل الحصار على تجمعات سكان العراق نفس الفعل الذي كان يؤديه على تجمعات الهنود الحمر، شيباً وشباناً وأطفالاً ونساءً وحوامل ومرضعات. في ذلك تتبادل إسرائيل وأميركا المعلومات والخبرات نظراً لباع إسرائيل الطويل حالياً في إنشاء المنعزلات على العرب.
وكما التعامل مع الهنود الحمر والصينيين والفلسطينيين والكوبيين والعراقيين يجري التحضير لتنفيذ نفس السياسة على الدول والشعوب الأخرى؛ الأقرب ترشيحاً لذلك هي إيران والسودان وسوريا ولبنان وروسيا والقائمة تطول، ولكل وضعه الخاص. بذلك تظل الصورة القاتمة تطل على البشرية ألا وهي مجموعة إثنية صغيرة أو كبيرة أو شعب أو أمة تقوم قوة غاشمة بمحاولة محاصرتها وإخضاعها رغماً عن إرادتها باللين واللطف والخداع والدبلوماسية والجزرة والعصا.
أخيراً الهدف النهائي واضح لا لبس فيه، السيطرة على ثروات البلاد لصالح الشركات الأميركية والتحكم في سياساتها الخارجية والنفاذ إلى جبهاتها الداخلية تمهيداً للقضاء على تلك الحضارات وجعلها من آثار الماضي. بعد أحداث 11 سبتمبر المثيرة للجدل جل كيانات العالم أصبحت في نظر الإدارة الأميركية الحالية هندية حمراء وبشكل صارخ. حتى الرئيس جورج بوش لم يستطع أن يخفي تلك النزعة المتأصلة بعبارته الشهيرة شديدة التخلف والبؤس «من ليس معنا فهو ضدنا»؛ كما لو كان يقود مجموعة من المستوطنين البيض تطارد جماعات من الهنود الحمر.
في رياض الأطفال كما في الشارع ووسائل الإعلام تنتشر ظاهرة الفاشية والشوفينية الأميركية في الأجيال، «نحن أعظم شعب في العالم»؛ أمر يهم من حظي بمكان تولّده في الولايات المتحدة أو من حمل هوية أو جنسية تلك الدولة على الأقل لسبب أو لآخر. ومع التوسع في التركيز على القوة العسكرية والجبروت الأميركيين بات الوضع النفسي للأميركيين بشكل عام كالنسر الذي يحط بين مجموعة من العصافير أو الطيور الضعيفة سهل الانقضاض عليها وتناول ما لذ وطاب له منها.
منطقياً وعملياً، لِمَ لا يحدث ذلك والولايات المتحدة تستحوذ على الجزء الأكبر من خيرات وثروات الشعوب الأخرى المادية والبشرية والمالية والطاقة؟!. بسبب تقاعس الإدارات المحلية عبر العالم عن النهوض بشعوبها باتت الهيمنة الأميركية تخيم على كل أنفاس تلك الدول وبرامجها الحيوية.
حالياً يعز وجود كيانين جارين في الشرق والغرب ممن لا يحتاجان قوة خارجية لمنعهما من حتى تدمير واحتلال بعضها البعض، أو حتى لحل أزماتهما الداخلية المستحكمة. وصل الأمر بحالة عموم تلك التجمعات ولوقف تدهور العلاقات وحالة الصراع والاقتتال إلى أن تستجدي تدخلاً سريعاً من الشرطي الأميركي «الدولي». في ذلك على المرء أن لا يُجهد نفسه كثيراً في البحث والتنقيب إذا ما أُخذت الأوضاع في شبه القارة الهندية وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وإفريقيا وأميركا اللاتينية وأوربا الشرقية، أُخذت بعين الاعتبار كأمثلة واضحة صارخة على ذلك.
بات على الدول صاحبة الشأن والعلاقة أن تفكر بإيجابية مع نفسها ومع غيرها من أجل الوصول بحالة العالم إلى مستوى استقرار يغني عن تدخل خارجي خاصة من النوع الذي لا يراعي إلا مصالحه على حساب الأطراف المتناحرة مع بعضها حتى ينقطع النفَس.
في هذا الصدد على الشعوب أن تسائل حكامها ومسؤوليها عن ما فعلوه من أجل تلك الشعوب في الداخل، ولإحلال السلام والأمن والأمان مع الجيران في الإقليم والدول الأخرى القريبة والبعيدة. لماذا تستمر حالة الاعتماد المزمن على الدول التي لها نزعة استعمارية إمبريالية شرسة وعلى الدول التي لها ماض استعماري مليء بالجرائم الجماعية ضد الإنسانية؟! أما آن للجميع أن يفهموا ويعوا ذلك ويعملوا لإصلاح أمورهم؟!.
جامعة الإمارات