المشهد مفجع، على معبر بيت حانون، جموع من الفلسطينيين ينتظرون أن تتكرم عليهم إسرائيل بالموافقة، وتسمح لهم بالعبور من غزة إلى الضفة! عائلات مع أطفالها وشيوخها ونسائها دفعها تناحر الإخوة إلى ترك الديار واللجوء إلى مأوى جديد.

موسم نزوح آخر يحصده الفلسطينيون في القطاع، من جولات الحسم و«التحرير» الدموي المحلي. أن ينزح الفلسطيني ويضطر إلى اللجوء هرباً من آلة العدوان الإسرائيلي؛ مسألة يمكن فهمها. الاحتلال العنصري لا يتوقع منه غير ذلك. لكن أن يرى هذا النازح نفسه مجبراً على الفرار من أرضه ومسكنه خوفاً من جحيم حروب الأهل ومضطراً لاستئذان عدوه الأصلي بالرحيل؛ فذلك أمر في منتهى الغرابة والقهر، بل هو يثير النقمة والغضب العارم، لأنه حالة تستعصي على الفهم.

وفي فلسطين بالذات ناهيك بالخيبة الكبيرة والذهول الأكبر، بعد كل الذي حصل؛ وبعد بحر التضحيات التي قدمها، منذ النكبة، ينتهي الحال بالشعب الفلسطيني إلى هذه النقطة وبهذه الصورة المأساوية؛ بحيث يتحول إلى لاجئ جديد بسبب صراعات قياداته وقواه السياسية، على مواقع وسلطات؛ ليست أكثر من حبر على ورق.

إسرائيل المبتهجة بهذا التدهور الذي طالما تطلعت إلى حصوله؛ سارعت إلى توظيفه في مشروع «فصل وعزل»؛ ذكرت الصحافة الإسرائيلية أن أولمرت الذي قصد واشنطن، ينوي مفاتحة إدارة بوش به والعمل لتحويله إلى واقع يمعن في تقطيع أوصال الشعب والأرض في فلسطين. وما يزيد من منسوب الألم والوجع أن المتحاربين يتصرفون بشكل يصب في تعزيز مسعى أولمرت.

فبعد الفاجعة التي وقعت في غزة يتواصل التهديد من هنا وهناك بنقل الاقتتال إلى الضفة. وكأن ما شهده القطاع يستلزم نقل ونسخ بركاته إلى مدن الضفة، لتكتمل النكبة الجديدة. والتخوف من أن يؤدي الفصل السياسي وثنائية الوضع الحكومي التي بدأت معالمها ترتسم على الأرض، إلى المزيد، ليس من الانفصال فحسب، بل أيضاً إلى تأجيج الصراع ونقله إلى أماكن التواجد.

في الخارج بوادر من هذا النوع لاحت أمس في أحد مخيمات لبنان. ولو أنه قد جرى تداركها بسرعة. لكن مثل هذا التدارك سبق وتكرر مرات عديدة في غزة، من دون أن يكفل قطع الطريق على الانفجار ـ الانفصال؛ الذي لا يبدو أن الساحة المشتبكة ببعضها قد أدركت، حتى الآن، فواجع وتداعيات هذا التطور المريع؛ على المديين القريب والبعيد، وعلى المستويين الفلسطيني والعربي.

صورة النزوح من غزة، هروباً من العنف الدموي العبثي المصنوع فلسطينياً، تنضم إلى صور مماثلة، في العراق. وأخيراً في مخيم نهر البارد، مع اختلاف ظروف هذه النزوحات. لكنها في النهاية تلتقي في مجرى واحد: هو مجرى النزف الأهلي المنفلت من كل عقال أو اعتبار أو وازع؛ والذي يقدم خدمة مجانية ـ خاصة الفلسطيني منه ـ إلى المحتل المتفرج على سيناريو طالما كان يحلم به ويعمل على تحقيقه. إنه موسم التهجير وتقطيع الأوصال و بمباضع محلية هذه المرة.