عندما لا ينطوي الكلام على أي معنى ويكون خالياً من أي مضمون حقيقي، فبوسع أي كان قول أي شيء كيفما اتفق من دون عتاب أو حساب أو عقاب.
في هذا السياق التراجيدي يندرج، في اعتقادنا، إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت عن استعداده لإجراء مفاوضات مباشرة مع الرئيس السوري بشار الأسد «من دون إملاء» شروط من جانب سوريا. وذلك في الوقت التي تظهر فيه الكثير من التسريبات المتضاربة حول وجود وساطة تركية بين الجانبين والذي يواصل فيه الجيش الإسرائيلي تدريباته على احتمال نشوب حرب مع سوريا، فضلاً عن تشكيل لجنة وزارية إسرائيلية لمتابعة الموقف والتحركات السورية.
ليس في الأمر أي جديد طبعاً، فتاريخ المنطقة والصراع العربي- الإسرائيلي حافل بكل أنواع المقترحات والدعوات والمفاوضات والتسويات العلنية منها والسرية والمشاريع والبالونات المتعلقة بسلام مزعوم على الطريقة الإسرائيلية على غرار ما حدث في اتفاقات كامب ديفيد بين مصر والدولة العبرية، التي بات سقفها، على علاتها، أعلى بكثير مما يمكن أن تتنازل عنه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
أو أن يحلم به أي طرف عربي في ظل ميزان القوى القائم في المنطقة والمختل، بشكل واضح، لصالح الدولة العبرية المدعومة من كل شياطين الأرض، مما يمكنها من الإبقاء على الوضع الراهن كما هو طالما أنه يحقق لها مصالح ما خطرت يوماً حتى على بال أعتى القادة الصهاينة، الذين لهم يعود الفضل في تأسيس هذه الدولة المارقة بطريقة تتحدى التاريخ والجغرافيا نفسيهما.
هنا بالذات تبرز أهم أكذوبة في تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي حين يتحدث عن لغة الاملاءات من الجانب العربي، مع أنه يدرك تمام الإدراك أن لغة الاملاءات إنما يفرضها الطرف القوي على الطرف الضعيف، المتمثل، هذه المرة، بالجانب العربي، الذي أعلن مراراً وتكراراً التزامه القاطع والتاريخي بما بات يعرف بمبدأ «السلام خيار استراتيجي».
وهذا المبدأ ينطوي على الكثير من المغالطات الاستراتيجية وأولها تلك المتعلقة بمسلمة لا تخفى على أحد وهي أن مسألة صناعة السلام تحتاج إلى قبول جميع الأطراف المعنية بالعملية السلمية، حيث لا معنى لأي موقف دون الآخر. ولقد أكدت الدولة العبرية بشكل متكرر وبطريقة لا تدع مجالاً للشك بأنها غير معنية بأي عملية سلام حقيقية وذلك من خلال تنصلها الدائم والمفضوح من جميع قرارات المجتمع الدولي المتعلقة بالقضية الفلسطينية والتي تعفي، من حيث المبدأ، أي طرف من اجتراع الاقتراحات والمبادرات وأي شكل آخر من أشكال التسويات، لأن تلك القرارات إذا ما رأت النور حقاً، فإنها كفيلة بطي هذه الصفحة المظلمة من تاريخ المنطقة والعالم.
هذا فضلاً عن لعقها مضمون جميع الاتفاقات الثنائية التي عقدتها حتى الآن مع هذا الطرف العربي أو ذاك وأولهم الجانب الفلسطيني، الذي لا يزال يدفع بالدم ثمن تلاعب الجانب الإسرائيلي باتفاقات أوسلو وأخواتها.
وبالتالي فإننا لا نجافي الحقيقة حين نقول إن كل التسويات المتعلقة بالصراع العربي- الإسرائيلي التي تم التوقيع عليها حتى الآن وتلك التي لاتزال قيد التوقيع لا ترقى بأي شكل من الأشكال الى مستوى التسويات الحقيقية القائمة على أسس علمية وموضوعية أهمها وجود ميزان قوى مناسب.
خاصة اذا علمنا بأن العقلية الصهيونية قائمة بالأساس على مبدأ القوة كوسيلة وحيدة لتحقيق أغراض الحركة الصهيونية العالمية، التي يؤمن قادتها بصورة مطلقة بأن وجود دولتهم العتيدة على أرض فلسطين مرتبط وثيق الاٍرتباط بتلك القوة، التي بدونها ما كان للمشروع الصهيوني أن يرى النور أصلاً ولا كان باٍمكان الدولة العبرية أن تستمر بالوجود طيلة العقود الزمنية الماضية.
اٍن مشروع السلام المقرون بميزان قوى غير مختل لصالح هذا الطرف أو ذاك هو الخيار الاستراتيجي الحقيقي الكفيل باٍيصال شعوب المنطقة اٍلى بر الأمان. وهذا يتطلب الكثير من الجهود الجبارة، التي يقع على عاتق الجانب العربي بذلها على طريق ترجيح كفة الميزان المختلة بصورة دراماتيكية لصالح التحالف الصهيو ـ أميركي.
وأن كلام أولمرت يتناقض بالكامل مع ما ذهب إليه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر حين قال بوضوح لا لبس فيه اٍن «هذه أول إدارة أميركية منذ قيام دولة إسرائيل» لم تبذل أي جهد حقيقي من أجل عقد محادثات سلام.
ولم يشهد يوم واحد على امتداد السنوات الست ونصف السنة الماضية أي محادثات سلام، الأمر الذي خلف حالة من الفراغ ومثل هكذا حالات عادة ما تكون حبلى بالعنف. فعن أي دعوات سلمية يتحدث رئيس الوزراء.