في مثل هذا اليوم من عام 54 وقع «أنتوني ناتنج» وزير الدولة البريطاني في «القاهرة» أمام جمال عبدالناصر قائد ثورة 23 يوليو المصرية اتفاق الجلاء الذي يقضي برحيل 80000 جندى بريطاني من قاعدة قناة السويس بعد 80 عاما من الاحتلال..

وفي ذكرى يوم الحرية المصرية وانتصار الإرادة الشعبية على الاستعمار، لا تنسينا ذكريات النصر ذكريات الهزيمة مثلما لا تدفعنا الهزيمة للقبول بالاستسلام ولكن للإصرار على المقاومة وتحقيق الاستقلال ولو بعد 80 عاما من الاحتلال، والأمة الواعية هي التي تقف مع نفسها في ذكريات هزائمها لمعرفة أسبابها والتعلم من دروسها، تماما مثلما تحتفي مع شعبها في أيام انتصاراتها لمعرفة شروطها وتأكيد نتائجها، وربما كانت أهمية الوعي بأسباب الهزيمة هي المقدمة الضرورية للقدرة على تحقيق النصر.

وبينما لا يزال البعض يلطم الخدود في سرادقات اليأس لا يريد مغادرتها إلا في الذكرى الأربعين للعدوان الصهيوني على العرب في الخامس من يونيو عام 67، يلزم أن نتوقف لا لتكريس الشعور بالهزيمة ولا للغرق في بحور المرارة، كما يريد لنا أعداء أمتنا، ولكن للدرس لا لليأس، لاستنتاج قانون النصر وللوصول إلى شواطئ الأمل، ورفض ثقافة الهزيمة والتبشير بثقافة المقاومة ضد محاولات فرض الاستسلام.

لم يكن العرب هم المعتدون ولا طلاب الحرب، ولكنهم وقفوا بشرف في مواجهة العدوان جنود حرب من أجل السلام، ورفضوا بشرف التسليم بالهزيمة بلاءات الخرطوم الثلاثة، وبدأوا معا في الإعداد لمعركة التحرير، لكنهم مع شرف التصدي للعدوان واجهوا هول الهزيمة العسكرية التي وقعت فيها أراض من ثلاث دول عربية في قبضة الاحتلال الإسرائيلي، هي سيناء المصرية والجولان السورية والضفة الفلسطينية وفي قلبها «القدس الشريف»..

وربما كانت مرارة الهزيمة سببا في ندرة الحديث عن بسالة الرجال على ساحات القتال سواء في القدس وعلى الجبهة الأردنية والتي كبدت العدو أكبر الخسائر البشرية، أو عن تضحيات المقاتلين على الجبهة السورية، أو عن بطولات الرجال في الجبهة المصرية تحت سماء مكشوفة وبدون أي غطاء جوي.

ومهما كان حجم ما جرى في الخامس من يونيو عام 67، فإن ما جرى قد جرى اتساقا مع أسباب للهزيمة في جانبنا قد توفرت وينبغي أن نعترف بها ونبقى مسؤولين عنها، وشروط النصر العسكري في جانب العدو قد تحققت وينبغي أن نقر بها ويبقى جديرا بها، لكن العبرة في الصراع الطويل بين الحق والباطل ليست بكسب الباطل لمعركة أو خسارة الحق لمعركة وإنما بثبات إرادة الحق في النضال لمواجهة الباطل مهما عظمت التضحيات أو طال الزمن.

لكن المشكلة الحقيقية تبدو عندما نسعى للدرس لا لليأس لاستخلاص الدروس دون غرض أو مرض وبموضوعية تسعى لتفادي الوقوع في نفس الأخطاء مرة أخرى، فإذا بمحاولات يشوبها المرض والغرض لزرع اليأس بدلا من استخلاص الدرس، وإذا بالبعض منا يقعون في المغالطة إما بسوء الفهم غالبا أو بسوء القراءة أحيانا ليتحقق للعدو بأيدينا بعد انتصار ما لم يستطع تحقيقه بعد هزيمة.

فتحت تأثير رغبة مريضة ومغرضة في زعزعة روح المقاومة لدى شعوب الأمة العربية والإسلامية لتمرير المشاريع الاستعمارية الصهيونية والأميركية، وفى نفس الوقت للتغطية على عدوانها المستمر اليوم في فلسطين والعراق ولبنان والصومال، وفشلها وهزائمها في كل هذه الجبهات أمام إرادة المقاومة وعدم الاستسلام.

أو في تصفية المشاعر الوطنية والقومية والدينية خدمة للأجندة الشرق أوسطية الصهيو أميركية، أو تصفية للحسابات السياسية للاستعمار القديم والجديد وعملائه مع تيار القومية العربية بقيادة ثورة 23 يوليو التحررية وزعيمها جمال عبدالناصر الذي لم تغفر له أنه تحداها وتمرد على نفوذها بل انتصر عليها في أكثر من مواجهة تحررية وتنموية مصرية وعربية وعالمية.

أو تحت تأثير قلة الضوء المتاح أمام الدارسين الموضوعيين لقراءة متكاملة لمقدمات ولأهداف ما حدث، ولوثائق الاستراتيجيات الاستعمارية الساعية عبر أدواتها المحلية لزرع التناقضات والفتن الوطنية والعربية والإسلامية الإسلامية لإغراق الأوطان في انقسامات وطنية وحروب أهلية، ومسخ الهوية بتذويب العروبة وتغييب الإسلام باعتبارهما حائط الصد في وجه مخططاته وجدار المناعة ضد اختراق فيروساته.

لكن وقفة الشعب الواعية بالرفض عكست إرادة الصمود والمقاومة، وذكرت قوى العدوان الاستعمارية والصهيونية أن عبدالناصر لم يكن وحده هو عدوها وإنما كان الشعب العربي كله وان نضال الشعب المصري الذي بدأ قبل عبدالناصر، سيستمر بعده حتى تحرير الأرض وإزالة آثار العدوان، في فلسطين وجنوب لبنان وفى العراق والجولان.

وكان أهم أسلحتنا في تلك الظروف المتناهية القسوة والمرارة والباعثة على الإحباط واليأس، هو الإيمان بالله الذي وعد أصحاب الحق بالنصر ولو بعد حين والذي سلح الشعب العربي بروح التحدي للهزيمة، تحدي اليأس سعيا للانتصار عليه وتحدي الأمل سعيا للوصول إليه، وكانت الاستجابة لتحدي الاحتلال نابعة من السلاح الأمضى لشعبنا العربي وهو إرادة الصمود والثقة بقدرته على المقاومة وتحقيق النصر.

وبينما جلس وزير الحرب الإسرائيلي دايان في أعقاب عدوان يونيو بجوار الهاتف منتظرا مكالمة من القاهرة تعلن الاستسلام تلقت وزارة الحرب الإسرائيلية أنباء خسائر قواته على أيدي القوات المصرية في معركة «رأس العش»، وأنباء إغراق المدمرة «إيلات» بعد انشطارها إلى نصفين بصاروخين فقط من الزوارق المصرية.

بل أيضا، تلقت تل أبيب وواشنطن والغرب الذي يساند العدوان الصهيوني على الأرض العربية أنباء وحدة الموقف العربي حول قرارات الصمود العربي والتي تمثلت في «اللاءات الثلاثة» ودعم السعودية وليبيا والكويت للمجهود الحربي على الجبهات الثلاث المصرية والسورية والأردنية من عائد النفط العربي بما يمكنه من الصمود.

وقال عبدالناصر للشعب العربي في أعقاب عدوان يونيو: «ستشرق الشمس غدا بإذن الله مهما كان من غيم الشتاء وصقيعه وزوابعه، وإن ما جرى قد جرى ولا فائدة من الوقوف عنده والبكاء على أطلاله، والأهم منه الآن هو الصمود والمقاومة، وان ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة».

وبهذه الاستجابة لتحدي الهزيمة وبهذه الإرادة لمقاومة الاحتلال وبهذا الأمل في النصر والحرية أمكن إعادة بناء القوات المسلحة وأمكن الصمود والردع والاستنزاف للعدو حتى دقت ساعة النصر في رمضان.ومع ذلك.. مازال البعض بتأثير مرضي يعيش بعقلية ونفسية الهزيمة، ومازال بعض المغرضين لا يريدون للشعب العربي تجاوز الخامس من يونيو إلى العاشر من رمضان.

فأخذوا يرقصون شماتة على إيقاعات صهيونية في سرادقات أقاموها احتفالا بانتصار العدو وهزيمة الشقيق، ويولولون على إيقاعات جنائزية أميركية في سرادقات أقاموها في ذكرى الأربعين لأمتهم العربية والإسلامية التي لم ولن تمت مهما بدت الظواهر العارضة باعثة على التشاؤم، في حين أن الذي يستحق الرثاء حقا هم هؤلاء الانهزاميون الأموات، بينما يبقى النضال مستمرا على كل الجبهات.

ومهما يكن.. فإن مساحة من أرضنا يمكن أن تسقط في قبضة الاحتلال، لكننا نبقى قادرين على تحريرها طالما أن مساحة من إرادة المقاومة فينا غير قابلة للسقوط، وطالما بقينا قادرين على التعلم من أخطائنا دون شعور باليأس ودون جلد هستيري للذات والاكتفاء بتوجيه الاتهامات، وطالما بقيت لدينا الشجاعة والقدرة على تصحيح الأخطاء.

وبإذن الله ستشرق شمس العرب والمسلمين، إذاهم انتصروا بأنفسهم على أنفسهم ووحدوا وتوحدوا مهما كان من غيوم الشتاء ورياح الأعاصير، فهكذا تتعاقب الفصول، ونحو الحرية تتجه حركة التاريخ ما بقي الشعب يرفض الهزيمة ويقاوم الاحتلال، والمهم أن نتعلم من هزائمنا لنصنع انتصاراتنا وأهم ما يجب أن نتعلمه هو الدرس العميق «إن تنصروا الله ينصركم».

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com