شر البلية ما يضحك. الفلسطينيون الذين طالما حلموا بدولتهم الوطنية المستقلة قد يحصلون على دولتين: حماستان في غزة، وفتحستان في الضفة الغربية. هذه النكتة - النكبة أشد وطأة على الشعب الفلسطيني والعرب من نكبة عام 1948. تلك خلقت قضية، وهذه تخنق القضية. يعرف التاريخ أمثلة قادت فيها الصراعات المجنونة جماعات بأكملها نحو الانتحار الجماعي. وعسى ألا يشكل الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني مثلا أخيرا يشهده العالم اليوم.
ليس من العدل أن نصب اللوم على الشعب الفلسطيني الذي سطر في تاريخه أروع أمثلة البطولة والفداء في مقارعة أعتى آلة عسكرية في المنطقة مدعومة من أعتى آلة عسكرية في العالم. هذا الشعب الذي كان يوما ضحية مؤامرة دولية كبرى، ثم ضحية الحكام العرب الذين خذلوه من البدء، هو اليوم ضحية قوتيه السياسيتين الكبريين اللتان تغدران به.
لقد بلغ الجنون في هذا الاقتتال أن خرجت جموع من فلسطينيي حماس إلى شوارع غزة ترقص احتفالا «بالنصر». فهل هي الرقصة الأخيرة، والطير يرقص مذبوحا من الألم؟ بدت الأمور وكأن دولة جديدة قد استوت. ونقلت الفايننشال تايمز ما يشير إلى ذلك على لسان إسلام شهوان، المتحدث العسكري باسم حماس: «نبلغ شعبنا أن الحقبة الماضية قد انتهت ولن تعود وأن عهد العدالة والحكم الإسلامي قد بدأ». ولا مجال للرأي الآخر. فإن مسيرة سلمية عبرت عن سخطها على الاقتتال بطريقة سلمية تعرضت لإطلاق النار وقتل عدد من مشاركيها.
حماس تدرك قبل غيرها أن دولة كهذه لا يمكن أن تعيش، لكنها يمكن أن تعزل عن العالم أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني في رقعة جغرافية تبلغ مساحتها كيلومترات مربعة بعدد أيام السنة (365) وتشكل قرابة نصف مساحة البحرين كأصغر دولة عربية. وبهذا تدخل حماس نفسها في الورطة التاريخية الثانية مع شعبها بعد أن شكل فوزها في الانتخابات الأخيرة ورطتها الأولى.
حسنا فعل قائدا حماس السياسيان مشعل وهنية حين عادا إلى التحدث بلغة الوحدة الوطنية بعيد نشوة «سكرة» الانتصار. لكن الذي لم يعره الطرفان المتصارعان أهمية هو أن عوامل تاريخية موضوعية ستفعل فعلها في تسهيل الانقسام بين غزة والضفة الغربية إن لم يرتق الوعي والإرادة السياسية للقوى الوطنية الفلسطينية من أجل التغلب على هذه العوامل.
مسار التطور منذ عام 1948 عمق الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين سكان المنطقتين، والموجودة أصلا قبل ظهور إسرائيل. شهدت الضفة الغربية نشأة مراكز سياسية واقتصادية وظهور الطبقة البرجوازية، بينما شريط غزة الساحلي الضيق المحاط بالصحراء من الشرق والجنوب كان موطنا لصيادي الأسماك والرعاة. الحروب اللاحقة ساعدت في استمرار تعميق الفوارق. اللاجئون من داخل فلسطين شكلوا 27% من سكان الضفة الغربية و67% من سكان غزة. وعليه فإذا كان في عام 1997 أكثر من 40 من سكان غزة يعيشون تحت خط الفقر (2 ,2 دولار في اليوم للفرد)، فإن الفقراء يشكلون اليوم 70 من سكان غزة.
أما في الضفة الغربية فهم يشكلون 11% فقط، حسب ما أوردته صحيفة دير شبيغل الألمانية في 2007 ,06, 16. وفي حين أن الضفة الغربية التي كانت تحت الإدارة الأردنية لا تبعد أكثر من نصف ساعة بالسيارة عن العاصمة الأردنية عمان، فإن غزة التي كانت تحت الإدارة المصرية تبعد مسافة 450 كلم من الصحراء عن القاهرة.
بكلمة كانت غزة معزولة عن العالم الخارجي. بينما الضفة الغربية مفتوحة أكثر على العالم. وقد أدى التطور المتفاوت واختلاف التركيبة الاجتماعية السياسية بين المنطقتين إلى وجود حواجز نفسية وعدم ثقة متبادلة بينهما.
فتح وحماس تدركان بالتأكيد أثر هذه العوامل التعقيدية على الوحدة الوطنية الفلسطينية، وأنها تشكل الأرض الخصبة لحالة الانقسام التي تهدد الشعب الفلسطيني اليوم. لكنهما بدلا من العمل على إخضاع هذه العوامل للتغيير في مصلحة التقارب بين المنطقتين بعد قيام السلطة الوطنية فإنهما اقتاتتا عليها.
وباعتبارها لنفسها ممثلة لقطاع غزة، وبالتالي لفقراء فلسطين وجدت حماس أن من مصلحتها التصرف كمعارضة حتى بعد فوزها في الانتخابات. كما حلا لفتح أن تتصرف كسلطة حتى بعد خسارتها الانتخابات الديمقراطية. فهذه تعتمد على تعبئة فقراء فلسطين لخدمة أهدافها الخاصة، وتلك على الاستفادة من الدعم الخارجي لممارسة نفوذها التسلطي.
وكم أتذكر كيف كان صديقي العزيز مصطفى البرغوثي يحلم بحكومة الوحدة الوطنية كمخرج من حالة الانقسام الفلسطيني، وكم ردد ذلك في محاضراته ولقاءاته التي جرت في البحرين. وقد قامت حكومة وحدة وطنية بالفعل، لكن وحدة وطنية لم تحدث. والسبب أن مصالح فتح وحماس ظلت أسمى لديهما من المصلحة الوطنية الفلسطينية.
وبينما العرب أعجز من أن يلبوا نداء الرئيس الفلسطيني لإرسال قوات سلام عربية إلى الفلسطينيين. وهذا ما اتضح من اللقاء الوزاري لدول الجامعة العربية، والعالم ليس أقل عجزا. فالبريطانيون غير متفائلين بفكرة إرسال قوات تابعة للأمم المتحدة إلى هناك، إيمانا منهم بأن المنظمة الدولية ستحتاج إلى عدة أشهر قبل أن تتفق على ذلك، وأن الدول التي يمكن أن تسهم أصبحت مستنفدة القوى.
ليس ثمة أفضل من هذا الوضع بالنسبة لإسرائيل. قالت لهم كساندرا الإسرائلية عندما انسحب جيشهم من غزة قبل عامين أنه «إذا نحن خرجنا من غزة فإن غزة ستأتي بعدنا». ويمكن حمل هذه العبارة على عدة أوجه. لكن الحقيقة الماثلة الآن هي أن إسرائيل تستفيد من حالة الاقتتال الفلسطيني الدائرة اليوم لتداوي جراح الهزيمة التي منيت بها في حربها الأخيرة على لبنان. فها نحن نجد أن أولمرت استعاد عافيته السياسية بعد طوفان كاد أن يودي به.
أكثر من ذلك، فليس أفضل من فرصة سانحة لصعود نجم العسكر في الحكم الإسرائيلي. ها هو باراك (البرق بالعربية) يعود وزيرا للدفاع، وأولمرت يطير إلى أميركا على عجل لتدارس الوضع الفلسطيني. إن في ذلك قرعا لطبول الحرب وعودة للاحتلال، وإيذانا بدخول المنطقة مرحلة جديدة من مراحل «الفوضى الخلاقة» التي يساهم العرب والفلسطينيون في صنعها بأيديهم.
فهل للفلسطينيين أن يفعلوا شيئا أكثر جدية من اللعب بقضيتهم - قضيتنا، ويتجهوا لحل مشكلات شعبهم الحقيقية وينصتوا للداعين في مسيراتهم إلى وقف الاقتتال بدلا من إطلاق النار عليهم لأن هؤلاء من يمثل الضمير الفلسطيني وصوت الحكمة؟
كاتب بحريني